قال الشيخ: إن ما نفعله هنا هو النظر في سلوكات الخمول والعصيان على أنها سلوكات مرضية تحتاج إلى مساعدة وعلاج أكثر من إدانتها والتقريع عليها، فالحساب من شأن الله عز وجل، ومهمتنا هي طلب الخير وتوجيه النصح لأنفسنا والآخرين، ولنترك للقضاة شؤون مؤاخذة الناس، ولنكن كالأطباء الذين لا يلومون المرضى على سلوكات مارسوها وأدت إلى المرض بقدر ما يعملون على علاج المريض والأخذ بيده إلى الشفاء والسلامة.
ولننظر إلى المعصية والتقصير على أنهما ابتلاء قد لا ينجو منه أحدنا أكثر من كونه عيبا نؤاخذ عليه الناس، وإني إذ أقول هذا فإنني أدعو من يرى في نفسه حاجة إلى العلاج أن يشاركنا الحديث والفهم، لأننا هنا لا نلوم أحدا ولا نسيء الظن بأحد، وما أمرنا إلا كمن يطلب السلامة والعافية لنفسه ولغيره دون أن يرى في المعاصي أو التقصير الا ما يستحق الدعم والمساعدة لتجاوزه والله أعلم.
وكنا قد وصلنا إلى أن ما يجعل الإنسان أقرب إلى التقصير والعصيان لذة يسعى إلى تحصيلها، سواء أكانت لذة مادية أو نفسية، والى أن هذه اللذة من طبيعتها أن الأصل فيها الحاجة والجوع، وبالتالي فإن أي إشباع لها سيؤدي إلى اعتياده وزوال قيمته من هنا كان لا بد من ترشيد استهلاك اللذة حتى يحافظ المرء على التذاذه نضرا وهو ما قصدت إليه الشريعة في تنظيمها لسلوك الأفراد والجماعات.
وهذه اللذة يقابلها ألم العقاب الأخروي، والإدانة القيمية الأخلاقية، حيث إن كل مخالفة مستقبحة في نفسها، والأذى الدنيوي المترتب عليها، حيث لم ننه إلا عن مؤذ لنا ولغيرنا، وهذه المعاني المؤلمة الثلاث لا بد من إقامتها في النفس لتعارض دعوة اللذة الأكثر مباشرة، حيث لا تحتاج إلى أي جهد عقلي، إلا أن هناك ما يساعد على استدعاء هذه المعاني واستقرارها في النفس وغلبتها على دعوة اللذة وندائها، وهو مأخوذ من العلوم النفسية الحديثة، كما أننا نستطيع أن نجد أصولا له في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
فمن المعلوم أن أي إحساس للذة إذا ما اقترن بإحساس بالألم لعدة مرات، فإن ما يثير اللذة ويستدعيها سيؤدي في النهاية إلى استدعاء الألم بحيث يؤدي إلى نفور العضوية من مثير اللذة في النهاية، وهذا المبدأ استخدم في علاج كثير من الأمراض السلوكية والنفسية كالشذوذ الجنسي وسلوكات السرقة والانحرافات الاجتماعية والتدخين، فعلى سبيل المثال يمكن للمدخن أن يتناول دواء يجعله أقرب إلى الغثيان كلما تناول سيجارة، وهذا مع الأيام سيجعل التدخين مكروها لديه لا يشتهيه وهو المراد هنا، ويمكن أن تقرن شحنة كهربية مزعجة مع منظر مثير عند مريض شاذ مما يجعله في النهاية ينفر من موضوع مرضه وشذوذه، قد يقول قائل ولكن ما الذي يجعل المريض هنا يقبل أن يتعرض للمثير المؤلم؟ نقول انه المريض الذي يطلب الشفاء وليس بينه وبينه إلا معالجة ميله أو رغبته أو اعتياده، أما من لا يسعى إلى الشفاء بمعنى أنه لا يرى فيما يقوم به ضيرا أو ضررا، فإنه لا يفيد من هذا العلاج وهو في حاجة أولا إلى الاستبصار بقبح وأذى ما يقوم به.
والآن كيف يمكن لمن يسعى فعلا إلى التخلص من ميل عاص أو خمول مضيع، لا بد من استحضار الميل في الذهن ثم إتباعه مباشرة بتصور الألم الدنيوي أو الأخروي الناجم عنه والمؤدي له، إن الربط هنا يقوم في مسرح الذهن وقد لا يستطيع بعض الناس إجراء هذا الربط بمفردهم مما يتطلب مساعدة من قبل مختص.
إن ما حواه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من إدانة خلقية للسلوك المنحرف ومن سرد لتفاصيل العقاب الأخروي على كل سلوك عاص يلزمنا هنا من أجل قرنه بالسلوك أو الميل المرغوب في النفس، وإجراء هذا الاقتران على عدة مرات سيؤدي إلى خفوت الداعي النفسي إلى ارتكاب المخالفة من ثم السيطرة عليه.
