عن أبي هريرة ـــ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه؛ لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) رواه مسلم.

هذا الحديث الشريف: من النصائح الغالية التي كان المصطفى ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ يتعهد بها أصحابه بين الحين والحين والتي ترغبهم في الدعوة إلى الله تعالى؛ ليكونوا مصابيح هداية من بعده، وتنفرهم من الدعوة إلى الضلال؛ ليكونوا حماة للدين الإسلامي الحنيف؛ وليكونوا ـ كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيهم: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم؛ فبين لهم: أن من دعا إلى الله وتبعه غيره فاهتدى بهدايته كان له من الأجر مقدار أجور من تبعه من الناس، ومن دعا إلى ضلال وتبعه غيره فضل بضلاله كان عليه من الإثم مقدار آثام من تبعه من الناس.

 

جمل متوازنه

وفيه من اللطائف البلاغية ما يلى:

‬1 - أسلوب النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ في هذا الحديث الشريف أسلوب سهل نقى شفاف؛ تبدو معانيه ـ من خلال صور واضحة جلية؛ وجملة متوازنة متعادلة؛ كأنها وزنت بميزان من ذهب، فمن (دعا إلى هدى) يقابله (من دعا إلى ضلالة) و(كان له من الأجر) يقابلها (كان عليه من الإثم) و(لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا) يقابلها (لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا).

‬2 - الجمل كلها خبرية غير مؤكدة؛ لأنها جاءت من الصادق المصدوق ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتطرق أسماع المسلمين فتطرب لها أسماعهم، وتفرح بها قلوبهم؛ لما يرون من جزيل عطاء الله تعالى لمن يهدى إلى الله؛ حيث يعطى المرء أجراً مساوياً لأجور من تبعه من المسلمين دون أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا؛ أي: دون أن يغمط حق من تبعه ومن ثم فإنهم يحذرون من الوقوع في الضلال؛ لأن من يضل غيره يكون عليه وزر مساو لأوزار من تبعوه؛ وذلك خبر غير محتاج إلى تأكيد؛ لأنه ألقى إلى خالي الذهن ـ كما يقولون ـ فتمكن في ذهنه فضل تمكن!

‬3 - والجملة الشرطية في قوله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه) ثرية بالمعاني التي زخرت بها؛ فقد عبر باسم الشرط (من) فقال: (من دعا) تغليبا للرجال على النساء؛ لأن مبنى أمرهن على الستر؛ وللإيحاء بأن الرجال هم الأجدر بالإرشاد والهداية والدعوة إلى الله تعالى؛ ونكر (هدى) للتعظيم؛ تأسيا بالقرآن الكريم في قوله تعالى: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون).وإنما عدل عن صيغة المضارع إلى صيغة الماضي في كل من الشرط والجواب: فقال: (من دعا.. كان له ـــ وإن كان المعنى (من يدع إلى هدى يكن له..) للإشارة إلى أن الله ـــ تعالى ـــ قد كتب الحسنات والسيئات ـــ أزلا ـــ أي: إنه قد علم ـــ أزلا ـــ أن عباده سيفعلونها فكتبها.

وعبر عن الثواب بالأجر ـــ في قوله ـــ: (كان له من الأجر) للإشارة إلى أن الذي يدعو الناس إلى الهدى ـ وإن كان له عند الله من الثواب ما أعده الله تعالى له يوم القيامة ـ إلا أنه يستحق الأجر على صنيعه ممن هداهم إلى الله تعالى؛ لفوزهم بالجنة بسببه.

‬4 - وجملة: (لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا) فصلت عما قبلها؛ لأنها تأكيد لها؛ فبين الجملتين كمال الاتصال. ونكر (شيئا) للتقليل؛ أي: لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ولو كان قليلا.

 

الحسنات والسيئات

والتنكير في (ضلالة) للتحقير؛ أي: من دعا إلى شيء من الضلال وإن كان حقيرا. وعبر في جانب (الأجر) بالجار والمجرور (له)؛ لأن الأجر يكون ملكا خالصا له، وعبر ـ في جانب الإثم بالجار والمجرور (عليه) لأن الإثم يكون عبئا عليه إلى يوم القيامة.

‬5 - وحذف المفعول في كل من (دعا إلى هدى) و(دعا إلى ضلالة) للعلم به؛ أي دعا الناس؛ فحذفه اختصارا ولتشمل الدعوة كل من يتأتى منه سماعها. وإنما قال: (لا ينقص ذلك من أجورهم) و(لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)؛ لأن المراد هو: أن يكون للداعي إلى الله مثل أجور من تبعه وعلى الداعي إلى الضلال مثل آثام من تبعه؛ لا أن يؤخذ من أجورهم، ولا أن يؤخذ من آثامهم ولهذا عبر (بمثل) فقال: (مثل أجور من تبعه) و(مثل آثام من تبعه) أي: مقدار أجورهم، ومقدار آثامهم.

‬6 - لا يخفى ما في الحديث الشريف من طباق وضح المعنى وأبرزه في أذهان السامعين؛ وهو المتمثل في المقابلة التي أسلفناها في بداية الحديث الشريف؛ «فالهدى» ضد «الضلال»، و«الأجر» ضد «الإثم»، (وله) ضد (عليه) و(أجور) ضد (أثام):

ضدان لما استجمعا حسنا

وبضدها تتميز الأشياء