تعرض الفكر الإسلامي في الفترة الأخيرة لهجمات متعددة من خصوم الإسلام داخل وخارج العالم الإسلامي، واتخذ هذا الهجوم أشكالا مختلفة تتراوح بين رفض هذا الفكر بالأساس وبين الدعوة إلى تجديد خطابه الديني. وفي الكتاب الذي بين أيدينا وهو كتاب «ثورة في الفكر الديني»، الصادر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب من سلسلة الفكر ضمن مشروع القراءة للجميع، يحاول مؤلفه الدكتور محمد النويهي أن يدعو إلى تحقيق هذه الثورة من خلال فصوله الستة، الأول بعنوان: «إلى الثورة الفكرية»، والثاني بعنوان «الدين وحرية الفكر»، والثالث عن «الأخلاق وحرية الفكر»، والرابع عن «الوطنية وحرية الفكر»، والخامس بعنوان «حرية الفكر وحرية العمل».

أما الفصل السادس فجاء بعنوان «نحو ثورة في الفكر الديني»، وهو العنوان الأصلي للكتاب، ويلاحظ أن مفهوم حرية الفكر كان قاسماً مشتركاً في ‬6 فصول هي كل الكتاب، وهو ما يكشف أن مقاربة المؤلف في كتابه للدعوة إلى ما سماه ثورة في الفكر الديني- تقوم بالأساس على حرية الفكر.

ويفتتح المؤلف كتابه بعد المقدمة والتمهيد بجزء لخطاب ألقاه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بعد نكسة ‬1967 التي مني فيها الجيش المصري بهزيمة عسكرية على أيدي الجيش الإسرائيلي الذي احتل سيناء وغزة والضفة الغربية بعد هزيمة الحرب، وجاء في الفقرة التي اقتبسها المؤلف من خطاب عبد الناصر عقب النكسة «إني لأشعر أن النكسة لا بد أن تضيف إلى تجربتنا عمقاً جديداً ولا بد أن تدفعنا إلى نظرة فاحصة وأمينة على عملنا، على كثير من جوانب عملنا»، ومن هذا المنطق يؤكد الكاتب أنه حتى بعد هزيمة عسكرية ثقيلة قبل هزيمة ‬1967 فإن التخلص من آثار الهزيمة والمضي منها إلى الانتصار لن يكون فقط بإعادة البناء العسكري على أهميته بل يجب أن يكون من خلال البناء الحضاري الشامل لجميع أركان الحياة المعاصرة.

 

التغيير المطلوب

ومن هذه النقطة بالتحديد ينطلق الكاتب إلى أن الحاجة إلى البناء الحضاري للأمة الإسلامية يجب أن يكون مستنداً إلى الفكرة التي قام عليها الوعد الإلهي بالتمكين وهو الوعد الذي اشترط صحيح التمسك بجوهر الدين الإسلامي دون أن نخدع أنفسنا بأن التمكين أمر بديهي للمسلمين بمجرد انتمائهم للدين الإسلامي، ويؤكد ذلك بالاستشهاد بالآيات القرآنية نفسها التي تعد المسلمين بالنصر بشرط أن ينصروا الله، فالنصر للمسلمين وتثبيت أقدامهم عند مواجهة أعدائهم مشروط بأن ينصر المسلمون الله، بمعنى أن يحاربوا في سبيله وأن ينتصروا على نزواتهم ورغباتهم، ولا تعلو إلا كلمة الله تعالى حتى ولو كان ذلك ضد ما يرغبون. وينتقد المؤلف ما وصفه بالإسلام الشكلي الذي يتخفى فيه معظم المسلمين، ويقول إن الحقيقة المرة هي أن المسلمين لم يصبحوا الآن من العباد الصالحين الذين وعدهم الله بأن يورثهم الأرض.

مشيراً إلى الإنذار الإلهي الذي تضمنته آيات القرآن الكريم بأن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، كما أنذرت آيات القرآن الكريم في أكثر من موضع بأن المسلمين إذا لم يغيروا أحوالهم فإنه قدير على أن يذهبهم ليستخلف غيرهم، وما ذلك على الله بعزيز، ويحاول الكتاب وهو يعرض لأسباب التراجع الذي تعاني منه الدول العربية وبلدان العالم الإسلامي منذ سنوات أن يوضح أن القائمين على حركات التحديث في هذه البلدان اصطدموا بمشاعر الأغلبية الكاسحة من مواطنيهم الذين يتدينون، فأصحاب الدعوة للتحديث والتطوير بما في ذلك تطوير الخطاب الديني لم ينتبهوا إلى أنهم عندما اصطدموا بمشاعر الأغلبية من مواطنيهم المسلمين فإنهم دفعوا هؤلاء إلى صم آذانهم عن أي دعوة للتحديث والتطوير طالما اعتبرتها الأغلبية الساحقة أنها دعوات تناهض الدين وتصطدم بالإسلام.

 

الخطاب الديني

انطلاقا من ذلك، فإن المؤلف يدعو من يريد تحقيق ثورة شاملة في الخطاب الديني أن يعمل في كل الأحوال على إقناع من يتوجه له بهذا الخطاب بأن الخطاب الجديد لا يتجاوز النطاق المشروع بدلاً من المواقف التي حاول بعض دعاة التحديث اتخاذها وأظهرتهم للناس بأنهم يتخذون مواقف معادية للدين نفسه بل تسعى إلى إلغائه، فالمؤلف يؤكد أن دعاة تجديد الفكر الديني عندما اصطدموا بالجماهير المسلمة لم يكونوا مدركين مدى سيطرة الدين على عقول المؤمنين به، وهم الأغلبية بين الناس خاصة أن هذه الأغلبية ليست مستعدة للتنازل عن معتقداتها الدينية مهما كانت الذرائع وراء ذلك، فالأغلبية من الجماهير تجد أنه من الأفضل لها أن تظل محتفظة بهذه المعتقدات مهما تسببت لها من أضرار في أحوالها المعنوية ومصالحها الاقتصادية بدلاً من تغييرها، خاصة أن العيب ليس من الدين نفسه بل من إساءة فهمه واستسهاله في بعض الحالات.

 

الفكر والدين

ويشير المؤلف إلى ظاهرة في غاية الأهمية وهي أن كثيرا من المفكرين العالميين حتى من غير المسلمين يحاولون عقد مصالحة بين الفكر والدين، خاصة في ظل الإقبال الكبير على الدين في العالم، مؤكداً أن الحملة على الدين ليست سوى محاولة مبددة للجهود، بل الأصوب والأفضل أن يكون الخطاب الذي يريد تحديث الفكر الديني متصالحاً مع الأغلبية الكاسحة التي لا تقبل أي مساس بعقيدتها الدينية الراسخة حتى ولو كان في بعض هذه العقائد شوائب.

 روح الإسلام

ويحتفي الكاتب بمواقف وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم التي يمكن من خلالها أن نستكشف روح الإسلام الحكيمة في عدم اللجوء إلى وضع القيود وتحديد الوسائل والحلول إلا في حالات الضرورة القصوى مع السماح للعقل البشري بل مطالبته بأن يفكر ويجتهد في استكشاف الأجوبة عن الأسئلة الكثيرة التي تظهر مع تطور الحياة، وحتى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مواقف الرسول الخاتم تشهد بأنه كان يأخذ برأي أصحابه، وفي الأحاديث النبوية ما يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي الفرصة لإعمال العقل كما جاء في خبر تأبير النخل عندما مر النبي- صلى الله عليه وسلم- بقوم يؤبّرون النخل أي يلقّحونه، بأن يقطعوا جزءاً من النخلة الذكر ويغرسونه في طلع النخلة الأنثى، فقال ما أظن أن ذلك يغني شيئا، أو قال لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرا، أو قال لو لم تفعلوا لصلح أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فتركوه فنفضت أو فنقصت، فماذا فعل حين راجع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل أخذته الكبرياء الكاذبة أو استبد به الغضب؟ بل قال: «إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر» أو كما قال، وفي رواية أخرى قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».