لا توجد جماعة ولا دولة ولا حضارة بدون إدارة، وعندما ورثت الحضارة الإسلامية الممالك التي فتحتها لم تهدم كثيرا من النظم والترتيبات الإدارية وسياسات هذه الممالك، وإنما كيّفتها تكييفا يتفق مع مبادئها الإسلامية ويتفق مع طبيعة العصر ويستجيب لتحدياته.. ومن هنا نضج الفكر الإداري في عصور الإسلام، فكان له دور في إثراء الحضارة الإسلامية. هذا هو ما تناقشه المنظمة العربية للتنمية الإدارية من خلال إصدار موسوعة عربية إسلامية تشمل مجال التنظيم الإداري وصلاحيات الإدارة والأسس التي يتم بمقتضاها الاختيار للوظيفة العامة وطريقة تدريب وتنمية الموظفين على الطريقة الإسلامية، وكيفية تقييم أدائهم ومدى فاعلية الرقابة الإسلامية على الإدارة.
مبادئ إسلامية
يحدد خبراء المنظمة العربية للتنمية الإدارية 5 مبادئ للتنظيم الإداري بمنظور إسلامي، أول هذه المبادئ «التدرج الرئاسي للإدارة» وهو تدرج الواجبات على أساس درجات سلطة الإدارة أو ما يقابلها أو يعادلها من مسؤولية، وطبقا لهذا المبدأ يجب أن تنساب السلطة بشكل واضح ومباشر، ويقضي هذا المبدأ بأنه يمكن الحصول على أفضل النتائج.يتميز التدرج الرئاسي للإدارة بوجود ثلاثة عوامل رئيسية هي «السلطة والمسؤولية والاتصاللالا، ويأتي المبدأ الثاني الذي تعتمده الإدارة الإسلامية متمثلا في «توازن السلطة والمسؤوليةلالا، حيث يلاحظ في الإدارة الإسلامية أن لفظ السلطة لم يُستَخدم بها حتى لا ينصرف المعنى إلى التسلط المطلق وبدون حدود، بل اُستُخدم لفظ «أولي الأمر منكم»، كما اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفق وتجنب العنف، وقد ركز الإسلام على عدم تجاوز المدير المباشر والاتصال برؤسائه دون علمه؛ لأن مثل هذا الاتصال يضعف المدير المباشر ويقلل من شأنه أمام رؤسائه، ومن ثم تقل فاعليته.
فاعلية القيادة
ويتمثل المبدأ الثالث الذي اعتمدته الإدارة الإسلامية في «وحدة القيادة»، ويتطلب هذا المبدأ أن يتصل كل فرد في المنظمة الإدارية بمدير واحد فقط ويكون مسؤولا أمامه، حيث توصلت مبادئ الإدارة الإسلامية إلى أن خلاف ذلك يؤدي إلى الفوضى؛ لأن الفرد الذي لا يعرف بمن يرتبط من المديرين ويكون مسؤولا أمامه، يصبح خائفا؛ لأنه إن أبدى طاعة لمدير أكثر من مدير آخر فإن الثاني سيتخذ إجراءات عقابية ضده وتقل فاعلية الإدارة، فوحدة القيادة تحدد المسؤولية بدقة ويعرف كل فرد في التسلسل الهرمي للمنظمة مع من سيتصل وأمام من سيكون مسؤولا عن أعماله، كما تصبح عملية الاتصال سهلة، حيث تنساب سلطة الإدارة من القمة إلى القاعدة بشكل منظم، كما ترفع المشكلات من القاعدة إلى القمة من خلال خط واضح للاتصال، ومن هنا ترصد موسوعة الإدارة العربية الإسلامية أن الإسلام قد ركز على وحدة القيادة، واعتبر رجوع الفرد الواحد إلى أكثر من قائد يؤدي إلى تفريق الجماعة.
رسالة الرسول
أما المبدأ الرابع فهو يتمثل في «تفويض السلطة في التنظيم الإداري»، والإدارة الإسلامية تعتبر تفويض السلطة من المبادئ المستقرة في عملية التنظيم الإداري، فالمديرون المثقلون بأعباء عمل كثيرة ينقصهم الوقت اللازم للتعامل مع الأمور والمشكلات المهمة، وقد قام الرسول- صلى الله عليه وسلم- بتولية العمال الأكفاء وفوض لهم السلطات اللازمة حتى يتمكنوا من القيام بمهامهم على خير وجه، وكانت رسالة الرسول- صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء واضحة؛ مفادها أنه لا يجوز للمسؤول أن يبالغ في تفويض مسؤوليته لمرؤوسيه في جميع ما يحدث؛ لأن ذلك نوع من التنازل عن الوظيفة وليس تفويضا، وفي ذلك يقول الماوردي «وعلى الخليفة أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمور وحراسة الملة، ولا يعوّل على التفويض؛ تشاغلا بلذة أو عيادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح».
تقسيم العمل
ويأتي المبدأ الخامس الذي اعتمدته الإدارة الإسلامية في «تقسيم العمل والتخصص»، ومن أهم أجزاء وظيفة التنظيم كيفية تقسيم العمل الكلي إلى أجزاء يمكن إدارتها، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يمثل بشخصه الكريم السلطة العليا في الجهاز الإداري للدولة الإسلامية، وعاونه في القيام بأعباء الحكم عدد من الصحابة اختارهم للقيام بمهام محددة من خلال ما عرف بـ«مجلس النقباء»، وباتساع رقعة الدولة الإسلامية في العهود التالية تعددت وظائف الدولة في ظل الحكم الإسلامي؛ مما اقتضى تقسيم العمل واستحداث مؤسسات إدارية من دواوين ووزارات وتفويض سلطات.
رقابة وقائية
أما الرقابة الإسلامية على الإدارة فتميزت بأنها رقابة وقائية تسعى إلى علاج الخطأ قبل حدوثه؛ لذلك ركز الإسلام على اختيار الموظفين الأكفاء الذين يتميزون بالقوة والأمانة كإجراء وقائي ضد تسلسل الكفاءات المتدنية للخدمة العامة، كما أن الرقابة الإسلامية متزامنة، فأثناء حدوث الانحراف تسعى لتصحيحه. وعلى ذلك فقد كانت الإدارة العربية الإسلامية إدارة غير متسلطة وغير استبدادية وليست إدارة متسيبة أو غير مبالية، ولكنها إدارة تقوم على التوازن بين الاهتمام بالفرد والاهتمام بالمهمة دون التسبب في معاناة الأفراد وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية، وهي تمتاز بالمهارة الإنسانية، فلا تبالغ في تدليل الأفراد وتقديم التنازلات على حساب المهمة، فهي وسطية تقوم على ما وصفه عمر بن الخطاب في قوله «إن هذا الأمر لا يصلح فيه إلا اللين في غير ضعف والقوة في غير عنف». فالإدارة العربية الإسلامية بكل ما سبق.. إدارة تقوم على مبدأ المساواة، فلا وساطة فيها ولا محسوبية، وتفرض هذه الإدارة المساواة بين جميع المسلمين؛ لأنهم سواسية كأسنان المشط، والعاملون في الإدارة الإسلامية متساوون أمام الإدارة العامة فلا وجود للوساطة والمحسوبية، ولا تقتصر هذه المساواة على المسلمين فقط بل يتسع نطاقها ليغطي أهل الذمة من غير المسلمين.
إبداع ومبادرة
كما أن الإدارة العربية الإسلامية تحقق روح الإبداع والمبادرة، فقد حارب الإسلام التقليد، ودعا إلى انفتاح الفكر وتجدده لضمان حيويته، وشجع الإسلام الفرد على إطلاق حرية الفكر، والإدارة العربية الإسلامية إدارة إبداعية؛ لأنها انعكاس لما دعا إليه الإسلام من فكر حي بعيد عن التقليد، وهي تمتاز بالثبات والاستقرار لكونها تطبق مصادر الفكر الإسلامي من قرآن وأحاديث نبوية شريفة، وهي توجيهات تمثل ضوابط للفكر الإداري السوي الذي لا ينحرف نحو الاتجاه المادي للفكر الإداري.
