الإنسان معرض للأذى والإهانة وعرضة للأخطار والمهلكات وعليه أن يكون محصنا بالله بقوة من أجل أن يدفع الخطر وينجو من الهلكة.
وبقوة الغضب والحمية صار الناس في غضبهم متهورين وطائشين، ولذا كره الناس الغضب واصطلحوا على ذمه معلقاً وهذا خطأ وخلط لا يجوز، فليس كل غضب مذموم ولا كل حلم بممدوح والله لا يخلق لنا طبعاً من طباعنا إلا لحكمة ولا يركب فينا قوة الحمية والغضب إلا لسبب وعلة، فالأذى والشر لا يدفعان إلا بغضب وحماية الأعراض والشرف والكرامة لا تكون إلا بغضبة للحق وحمية الكرامة والشرف.
وقد امتدح الله غضب المؤمنين وحميتهم الدينية في إعلاء كلمة الله فقال تعالى: «أشداء على الكفار رحماء بينهملالا، وأمرنا بالغضب إذا انتهكت حرمة الدين والغيرة على حدود الله فقال: «الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخرلالا.
ومن فقد قوة الغضب يصبح جباناً ضعيفاً وذليلاً لا يأنف من العار ولا يتألم لأذى السفهاء وتطاول الطامعين، فلا يغار لعرض ولا يغضب لشرف، وليس هذا من الحلم بل هو عين الجبن والذلة والدين وقد ذم هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل الجنة ديوث. قالوا: وما الديوث يا رسول الله؟ قال الذي لا يغار على أهله».
إذا لم يغضب كل رجل لعرضه ضاعت الأنساب واختلطت الأولاد وكل أمة تضيع الغيرة من رجالها لا بد وأن تضيع العفة والصيانة من نسائها وهذا هو الضعف والخور والعجز والجبن الذي استعاذ منه نبينا صلى الله عليه وسلم وكيف تذم رجلاً يغضب لدينه إذا رأى المنكرات وقد أمر بمحاربتها وكيف يصلح المرء عيوب نفسه إن لم يغضب عليها ويشتد في ردها عن هواها.
فهناك غضب مذموم وهو الذي يعمي صاحبه عن الحق ويفقده البصر والفكر فتأخذه العزة بالإثم ويعرض عن النصح إذا نصح زاد هياجاً وإذا روجع في قول ازداد صخباً ولجاجاً ويتغير لونه وتنقلب سحنته وترتعش أعضاؤه ويزيغ نظره حتى يكون كالأعمى يسب الجماد والحيوان ويبطش بكل ما يصادفه وينمو في قلبه الغل والحقد والحسد وهذا يحمله على حب الانتقام وإفشاء الأسرار بل والافتراء والكذب على مغضبيه فهذا غضب قبيح مرذول ينتصر فيه الشيطان ويذهب ضحيته الإنسان ويهدم المحبة ويقطع الروابط، ومثل هذا الغضب يهدم الجسم ويتلف الصحة ويحرم صاحبه الراحة والهناء ويجعل نظرته إلى الحياة مظلمة سوداء، فالتفريط في الغضب ضعف والإفراط فيه جنون وتهور والمحمود منه هو الحد الوسط والاعتدال والقصد المحمود منه أن يكون غضبك للدين يمليه عليك العقل لا العاطفة.
فاغضب للحق الذي يمس الدين واحلم فيما يمس شخصك وجسمك ورأيك والشجاعة في أداء الواجب وخدمة المجموع والتسامح في حقك الخالص فالمؤمن يغضب إذا نفع الغضب وأفاد، ويصفح ويعفو إذا لم يضر بصفحه أحداً من العباد.
