قال الشيخ:ذكرنا أن العصيان ما هو الا استجابة للغرائز والدوافع المادية والنفسية الأنانية من منطلق استجلاب لذة رأينا أنها مؤقتة سرعان ما تزول بعد الإشباع، وأن ذلك إنما يتم على حساب لذة باقية خالدة يخسرها العاصي من جراء طمعه باللذة الآنية العارضة.
والغرائز والدوافع النفسية هي محركات كتلة الجسد العاطلة، وقد أمرنا بترشيد الاستجابة لها بحيث نقف عند حدود الحفاظ على العضوية سليمة مع نموها، بالإضافة الى كونها دليلا ومثالا عن اللذات التي يمكن أن تكون في الحياة الآخرة، من هنا لا يعدم المرء الطامع برضى ربه التذاذا ولكن ضمن الحدود النقية والمنظمة والخيرة.
وطبع كتلة الجسد العطالة والخمول، فان نجا المرء من دفع غرائزه ودوافعه غير المنضبطة وقع أسير كسل وخمود المادة فيه، من هنا كان لا بد من محرك له، وما يدفع الجسد في نشاط متوهج ونافع كالروح التي تحتاج الى تنمية وتزكية ضروريتين.
ثم ان من طبع لذائذ الدنيا أن الاسترسال فيها يؤدي الى اعتيادها وبالتالي الى فقدان بريقها وقيمتها، ثم الى الملل والسأم منها، فنقطة الاتزان في الحفاظ على أية لذة دنيوية هي ترشيدها لتبقى بقيمتها وقدرتها على إرضاء العضوية وإسعادها دون ملل منها، وقد رأينا كثيرين ممن سئموا من لذائذ ما يحلم بظل منها بعض المحرومين، ويعاني العالم اليوم من تخمة جعلته يفقد الكثير من احساسه باللذة نتيجة إسراف الناس في الاستهلاك والإقبال على اللذائذ بدون ترشيد، مما جعل الأجساد أقرب الى فقدان الاحساس، ومما حتم ابتكار درجات عالية ومبالغا فيها من الاستثارة لضمان تأثيرها على الأجساد المتخمة، ويرى البعض أن هناك مشكلة حقيقية سلوكية وأخلاقية ونفسية قد نجمت عن هذا الوضع.
ومن وجوه هذه المشكلة الإفراط في الاستثارة البصرية والسمعية والذوقية والجسدية ولو عن طريق ابتكار أشكال شاذة من الاستثارة لها أُثرها النفسي والأخلاقي السيئ والمدمر للفرد والمجتمع.
ان ما سماه المرحوم المسيري بقطاع اللذة (السياحة والتلفزيون
والسينما والموسيقا الصاخبة والانترنت والمطاعم والفنادق ) خير شاهد على المأزق الانساني الذي يعيشه انسان القرن الحادي والعشرين في كونه قد تجرع كأس اللذائذ جرعة واحدة مما جعلها فارغة، ومما اضطره الى اختراع سويات عالية من الاستثارة لعلها توقظ وتؤثر في الأجساد المنهكة.
وأعود الى مستوى الفرد لأقول إن اللذة في الدنيا والاستكثار منها- وهو سبب المعاصي- لا تستحق أن يفني المرء حياته في اللحاق بأوهامها السرابية، اذ يكفيه منها قدر مشروع يرضي النفس ويحافظ على قيمتها ونضارتها، سيما ان علم أنها ستجر عليه خسارة خالدة أكيدة، ثم ان ما منعنا عن أن نغرف منه من ملذات هو قبيح في نفسه يتضمن ظلما للذات أو الآخرين، مما يجب أن نربأ بأنفسنا من أن تقع فيه، فالله عز وجل أراد لنا أن نعيش ونموت أنقياء عدول لنستحق أن نكون من عباده الصالحين الذين اصطفاهم من كل خلقه، ولو تأملنا بتجرد في تقصيرنا ومعاصينا لوجدنا أنها تحمل في نفسها مبررات رفضها والنهي عنها، وما أظن أن مقصرا أو عاصيا لا يرى في سلوكه ما يستقبحه هو ان نظر فيه، وهذه معان تزرعها التربية في تربة الفطرة الخيرة التي خلقنا عليها، وخير ما يساعد على جلاء النظر في مثل هذا التقدير أن نتصور ما نقع فيه وقد أتى به غيرنا، ذلك أن ما قد نتجاوز فيه في تقييم سلوكياتنا نعده كبيرا لو رأيناه على من حولنا. ثم ان ما نهينا عنه لا شك أنه يحمل من الأذى الدنيوي لنا أو لمن حولنا، فاذا كنا في السطور السابقة نتحدث عن قيم الخير والجمال في السلوك فاننا هنا نتحدث عن المنفعة الفردية والعامة، وما شرعه الله عز وجل لنا انما ينبئ عن حكمة عظيمة أرادت لنا أن نحيى حياة طيبة، فكل محرم أو مدان لا شك أنه مما يكدر صفو هذه الحياة ويصيبها بلون من خسارة أو ألم.
وأخيرا فان ما يجب أن نذكره أن الحق سبحانه وتعالى أكرمنا بأنه ما من لذة مادية نتركها له الا وأبدلنا عنها فرحا ونشوة قلبية وروحية لا يعادلها شعور أو هناءة.
