المخطوطات هي المادة الخام التي يولع بها المؤرخون ليستنطقوا كل حرف فيها بما يكشف الأسرار ويجيب عن الأسئلة ويفك الألغاز، وينقب عنها هواة الآثار ويحمونها من كل يد بشرية تمتد إليها حتى ولو بقصد البحث العلمي، وتكتسب المخطوطات الإسلامية أهمية خاصة نظرا لأنها تكشف أسرار حضارة غيرت من مسار الإنسانية، بل وتعتبر المخطوطات الإسلامية حتى الآن مصدر إلهام للكثير من الكتاب والعلماء والمؤرخين حول العالم، ولكن من هم أعداء المخطوطات؟ وكيف يمكن الحفاظ عليها من أعدائها؟ وما هي العوامل التي تؤثر سلبا على عمر المخطوطة؟ وكيف يمكن علاج ما تأثر منها؟ وما هي أحدث الطرق لحفظ المخطوطة من عوامل التعرية؟.
د. وفيقة نصحي، الأستاذ بكلية الآثار جامعة القاهرة، تكشف لنا عن طرق حديثة في ترميم وصيانة المخطوطات أحدثها «الترميم الآلي» عن طريق شق الورق يدويًا وآليًا، موضحة أن هذه المعالجة مصممة لتقوية ورق المخطوطات الضعيف بتقسيمه إلى جزأين، ويتم وضع ورق نسيجي رقيق للغاية يتمتع بخواص ميكانيكية عالية داخل الورق الذي تم شقه، وتعتبر هذه الطريقة من أهم الطرق المستخدمة كبديل لطرق علاج أخرى كانت مستخدمة من قبل مثل طرق «الكبسلة» بين رقائق البوليستر أو التبطين على خلفية من الورق النسيجي.
أما الطريقة الثانية فهي «الترميم بمعلق لب الورق آليًا»، وتعتبر من أحدث طرق ترميم المخطوطات في العشرين عامًا الماضية، ومن خلال هذه الطريقة يتم ملء الفجوات والمناطق المفقودة، الناتجة عن الإصابة الحشرية أو الحرائق أو عوامل التلف الأخرى، ويتم الترميم لعلاج صفحة أو علاج مخطوطات وكتب كاملة، وفي كل الأحوال يجب أن يقوم بالترميم خبير ذو يد ماهرة وأن يقوم نفس الشخص بترميم نفس المخطوطة ولا يقوم اثنان بترميم مخطوطة واحدة حتى لا تتضارب خطوات أو أدوات الترميم.
وتوضح د. وفيقة أن هذا النوع من الترميم يستخدم مع نوعيات مختلفة ومتعددة من ورق المخطوطات تبعا لاختلاف اللون، والسُّمك، والحجم، والملمس، بالإضافة إلى سرعة الإنجاز ودقته.
حفظ المخطوطات
ولحفظ المخطوطات وبقائها طويلاً في حالة جيدة داخل المكتبة أو المتحف يتم إنشاء غرفة تخزين ذات مواصفات تقوم على العزل الجيد وتشييد هذه الغرفة بجدران سميكة، مع استخدام أنظمة التكييف الهوائي بنظام التحكم المركزي للظروف البيئية داخل المتحف مع العلم بأن تكييف الهواء أحيانا يكون من أعداء المخطوطات إذا لم يكن يتم ضبط التكييف على درجتي الحرارة والرطوبة التي تناسب كل مخطوطة، وتحتوي جميع هذه الغرف على رؤوس حسّاسة للرطوبة النسبية، ودرجات الحرارة، والتي تقوم بتسجيل الظروف المناخية للمكتبة، وتعطي إشارات التحكم المناخي الموضعي داخل خزانات الحفظ والتخزين، أو داخل خزانات عرض المخطوطات، وهذه الوسيلة من الوسائل المهمة لحماية المخطوطات، بجانب استخدام أنواع مختلفة من مرشحات الأشعة فوق البنفسجية لحماية أحبار وألوان وصبغات المخطوطات من التعرض للضعف والبهتان.
وتضيف إنه يتم أيضا استخدام براويز الحفظ لبعض اللوحات النادرة وتتكون من جزأين من الورق المقوى، ويتم فتحها بشكل مفصلي متحرك، أشبه بالبراويز الورقية المزودة بخلفية تُحفظ داخلها الوثائق والأعمال الفنية، والهدف منها حفظها وصيانتها على المدى البعيد، ويجب أن تخضع هذه البراويز إلى مواصفات قياسية خاصة بالحماية الداخلية والخارجية.
تنظيف جاف
وتوضح د.وفيقة، أن الصور والوثائق تمر بمراحل مختلفة لعلاجها وترميمها قبل حفظها؛ أولها: «التنظيف الجاف»، حيث تتم إزالة العوائق والأتربة السطحية بعناية باستخدام الوسائل الميكانيكية المختلفة مثل الفرش الناعمة، ومساحيق التنظيف، وتستخدم هذه المساحيق في المناطق الخالية من الرسوم والكتابات فقط، ويتم استخدام «المشرط» في أضيق الحدود لإزالة إفرازات الحشرات، وإزالة أشرطة الترميم القديم باستخدام الماء والكحول بنسب متساوية من الخلف، مع إزالة البقايا اللزجة باستخدام مشرط غير حادٍ.. وثاني هذه المراحل «تبييض البقع»، والتي توجد في هوامش اللوحات، ويستخدم في عمليات التبييض محلول «فوق أكسيد الهيدروجين» المتوازن بإضافة قطرات من «الأمونيا»، بعد أن أثبتت الدراسات أن هذا المحلول أفضل المواد التي يمكن استخدامها في تبييض البقع وفي علاج حموضتها أيضًا، وثالث مرحلة هي الغمر لمدة 30 دقيقة في محلول «بيكربونات الماغنسيوم»، وتمنح هذه الطريقة الورق الاستقرار والثبات ضد ارتداد الحموضة.
آفات ضارة
من ناحيته يقول د.سميح عبدالقادر، أستاذ علم المبيدات والسموم البيئية بالمركز القومي للبحوث، إن هناك أنواعًا من الآفات الضارة بالكتب والمخطوطات وكل آفة من هذه الآفات لها وسائل تشخصيها وحمايتها، موضحا أن هذه الآفات تتنوع ما بين حشرات صغيرة الحجم وأخرى كبيرة، بالإضافة إلى آفات عامة كالصراصير والفئران، ويمكن تقسيم الآفات المعنية طبقًا لمظاهر الضرر التي تحدثها، أو طبقًا لنوعية المادة المعروضة، فهناك حشرات سطحية الضرر مثل الصراصير وقمل الكتب، والحشرة الأخيرة تتغذَّى على سطح الورق مسببة تآكلاً سطحيًا به لا يتعدَّى الوجه الآخر للصفحة، وتعيش على اللاصق النشوي في أغلفة وكعوب الكتب، وهناك حشرات تصنع أنفاقًا مثل خنافس عائلتي «أثوبيدي»، «الاكتيدي» التي تتغذّى على الخشب الموجود في دواليب ورفوف المكتبات والمخازن، وتهاجم الكتب وتُحدث فيها أنفاقًا وثقوبًا مشابهة لما تحدث في الخشب.
وفي مواجهة هذه الآفات يتم إجراء عمليات تطهير دورية مرتين كلَّ عام، مع الفحص الدائم بصفة شهرية لعينات عشوائية من الكتب والمواد الثقافية عن طريق متخصصين في معرفة مظاهر الإصابة المعروفة لنوعيات الآفات المختلفة، مشيرا إلى أن هناك عددًا من طرق المكافحة منها استخدام المتطفلات والمفترسات، وهي إحدى طرق المكافحة الحيوية، بالإضافة إلى استخدام المصائد، وتعقيم الحشرات، والمكافحة الكيميائية بالمبيدات.
فطريات وبكتيريا
ويكشف د.أحمد فرحات، أستاذ البحوث الزراعية والبيولوجية «ميكروبيولوجي»، عن كائنات حية دقيقة احترفت افتراس المخطوطات الإسلامية القديمة، حيث تعتبر هذه النوعية من المخطوطات ومكوناتها والبردي مصدرًا من مصادر الغذاء لبعض الكائنات الدقيقة التي تسبب ضررًا بالغًا للمخطوطات والمقتنيات القديمة، مشيرا إلى أن الفطريات تخترق جدار خلايا الألياف السليلوزية المصنوع منها الورق، بينما تهاجم البكتيريا الأسطح الخارجية لألياف السليلوز، ما يؤدي إلى كسر الروابط بين هذه الألياف ويفقدها قوتها.
موضحا أن المخطوطات من الخامات ذات الأصل العضوي أي أن محتواها المائي الداخلي يتغير بتغير الرطوبة المحيطة، ونتيجة لذلك تحدث تشوهات في شكل المخطوط تكوّن الحموضة والبقع الصفراء ونمو الحشرات والبكتريا، كما تؤثر الرطوبة والحرارة في حالة المكتبات والمتاحف المفتوحة، أيضًا يؤثر الضوء سلبيًا، وذلك يتوقف على عوامل أخرى أهمها قوة الإضاءة وسمك الورق وتركيب الهواء المحيط بالورق من حيث تركيز غاز الأكسجين، وتجدد الهواء، والرطوبة النسبية، وغازات التلوث الجوي، والمواد المضافة للورق.
عوامل بيولوجية
أما العوامل البيولوجية فتشمل أكثر من 70 نوعًا من الكائنات الحية سواء كانت مرئية مثل الحشرات أو القوارض، بالإضافة إلى كائنات دقيقة مثل الفطريات والبكتريا وهذه جميعًا تهاجم المخطوطات، بالإضافة إلى عوامل ذاتية يلعب الإنسان فيها دورًا في إتلاف المخطوطات بالاستخدام الخاطئ لها عن طريق التقليب العنيف لصفحات المخطوطات الذي يؤدي إلى تمزّقها، وتشويه أحرف زوايا هذه الصفحات، وتناول المخطوطات بأصابع غير نظيفة، أو ملوثة بالحبر، والضغط على المخطوط أثناء التصوير.
