قال الشيخ: تساءلنا عن سبب كوننا لا نعمل بكل ما نعلم، ولا نقبل على إصلاح أنفسنا والأعمال الصالحة بدون تأجيل، وقلنا إن من أهم أسباب العصيان والخمول لذة واعتياد وعطالة، فأما اللذة التي يجنيها العاصي أو الخمول فقد ذكرنا أنها مما يكفي لتبرير السلوك المؤدي إليها، ولكن لابد من النظر في ثلاثة وجوه: خطر هذه اللذة على الآخرة، وكون السلوك المؤدي اليها قبيحا في نفسه، وأذاه لصاحبه ولمن حوله.

ذلك أن أجسامنا خلقت من تراب عاطل، وما يحرك هذه المادة العاطلة شيئان: غرائز ودوافع في الطوابق السفلى المادية من وجود الإنسان كالجوع والجنس وغيرهما، والروح التي قد تأتي بالأعاجيب، ومن الواضح أننا عندما نتحدث عن المعصية أو انحطاط الهمة فإننا نتحدث عن مادة الأصل فيها العطالة والكسل. فإذا تحركت حركتها الغرائز والدوافع المادية والنفسية الأنانية، والأصل أن العاصي يكسب من معصيته لذة حاضرة وأن القاعد يكسب من قعوده لذة الخمول وهي أيضا حاضرة، وما يمكن أن يجعله يمتنع عن معصيته أو يقلع عن كسله تنمية لروحه، وتلك لعمري نقطة مهمة لم تعد التربية تعنى بها في كثير من البيوت والمدارس، والنظر في خطر اللذة الحاضرة على الآخرة إنما يقتضي يقيناً بوجود آخرة، وأن هذه الآخرة ليست ببعيدة وأنها تمثل الوجود الحقيقي الخالد، قد يقول قائل إننا نؤمن بهذا ونكسل ونعصي، أقول فإما أننا لا نوقن حق اليقين بوجود الآخرة بمعنى وجود شكوك تخامر هذا اليقين، وإما أننا نتجاهل هذه الحقيقة تحت تأثير جواذب اللحظة الحاضرة، فأما الأولى فلابد من المسارعة إلى علاجها لأنها مما يعني لقاء الله عز وجل بما لا يغفره أبدا، كما أن مقولة من هذا النوع وعلى هذه الدرجة من الأهمية لابد من اتخاذ موقف نهائي راسخ وواضح منها.

فلا ينفع التأجيل في النظر إلى ما يمثل أهم قضية في الحياة، وأما الثانية فإننا نشتري بالخلود في النعيم المقيم نعيم الروح والبدن لذة مؤقتة سرعان ما تزول ولا تترك وراءها منها شيئا، فمما لابد من ملاحظته في لذائذ الدنيا أنها لذائذ الأصل فيها الجوع والحاجة فإن أشبعت زالت وبقي خلفها نوع من الزهد والإعراض والألم، فانظر مثلا إلى لذة الطعام كيف أن الأصل فيها هو الجوع فإن أشبعت وحل الشبع زالت لذة الطعام وقد تتبع بآلام التخمة وإزعاج الثقل، من هنا يمكن القول أن اللذة في الدنيا لا تكون إلا بعد حاجة، وعدم وجود حاجة ينفي إمكان التلذذ، فمن يأكل طوال النهار لا يمكن أن يجوع، ومن لا يجوع لا يشعر بلذة الطعام، وهذا يعني أن من يسرف على نفسه في الاستجابة لما يلذ له فضلا عن استحقاقه العقاب الأخروي ان كان في إقباله ارتكاب لحرام فإنه يقضي على أصل اللذة عنده، وقد رأينا أن من يغض البصر من الشباب المؤمن يكون أكثر سرورا وإشباعا واستقرارا في حياته الزوجية ممن يطلق بصره هنا وهناك، ومثله كثير.

إن المقارنة بين لذة حاضرة مؤقتة يتبعها زهد وإعراض ولذات خالدة باقية مستمرة إلى لا نهاية مع تصور الألم الذي ينجم عن العقاب الذي يستحقه المخالف لمخالفته- والتي سنرى أنها قبيحة تستحق العقاب- يجعل المرء أقدر على اتخاذ قرار واضح بالإقلاع عن السلوكيات التي نهي عنها، والإقبال على ما يصلح به نفسه ليكون أليق بلقاء الله متى حان وقته.

فإن قيل إن هذا كلام معلوم وحاضر في الأذهان فما سر عدم تأثيره في الهمم، قلنا: من الواضح أن هذا يقتضي التفكير والبناء العقلي، ولذة الخمول أو العصيان أكثر مباشرة وقربا، وهي لا تحتاج إلى أي نوع من التفكير، فلابد من تغليب لقرار العقل على دفع اللذة أو عطالة المادة فينا، وهذا إنما يكون بتنمية الروح ومعالجة الاعتماد والاعتياد والنظر في قبح السلوك المنهي عنه وأذاه لصاحبه ولمن حوله.