أكد فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام، الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس، في خطبة الجمعة الماضية ان من أمعن النظر في آفاق التّاريخ، واستقرأ أحوال الأمم، وما نابها من الدثور بعد الاستقرار والظّهور، استيقن أن ما أصابها من التشرذم أو الفَنَاء، والهلكة والانمحاء، إنّما سببه التنازع والشقاق، والتّخالف والافتراق، فإنها ما زحفت أصلالها في مجتمع إلا مزقته شذر مذر، وأردته حديثا لمن غبر، وعبرة لمن اعتبر، وفي ديار الإسلام أناخت تلك الرزية بقدر، ولن يصد تيار التّشتت، ولن يقوم معوجه وعصيه، إلا اتّحاد المسلمين وتلاحمهم، وتَرابط أواخيهم وتَراحمهم، وتلكم هي الشعيرة التي احتفى بِها الإسلام أيما احتفاء فوطدها، وعززها ووتدها، قال جل جلاله: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْن قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا»، وذلك لما يترتب عنِ الاتحاد، من المحبة والوداد، واستئصال السخائم والأحقاد.
وأضاف فضيلته يقول، فإذا انقادت الأمة فكرِيا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا للائتلاف، ونبذت ظهريا الاختلاف، واستمسكت بالحق ولازِمته، وانقادت للدين وشرعته، قرت منها العين وفازت بالحسنيين، واندفعت عنها الشرور، وانقمع الثّبور، وأحرزت في العالمين توقيرا وهيبة واحتراما، ولم ينل منها المتربصون مراما، قال صلى الله عليه وسلم: «يد الله مع الجماعة، ومن شَذّ شَذَّ في النَّار» أخرجه الترمذي.
ومضى فضيلته يقول، ولئن اصطلحت على أمتنا الأبِية، مع الأسى والأسف، أعضل أدواء التنافر، والشتات والتناثر، فأراقوا الدماء جراء الرعونة العمياء، وكانوا أنكى في الإسلام من أعدائه، وأشد ضراوة على أوليائه، وتَشفيا من أبنائه، فليتذكروا أن الظّلم قصير المدة، فَليل العدة، وإن تناهى في البطش والشدة، وتظاهر بالسطوة والحدة، وفي مسطور الحكم، «مَن طال تعَدِّيه، كثرت أعَادِيه».