هناك صنف من الناس متعهم الله بالصحة والعافية وكثرة المال إلا أنهم لحرصهم على الدنيا الفانية يخضعون لوساوس الشيطان الذي يزين لهم حب المال، وأن التمسك به وعدم إنفاقه سواء على أسرهم وأولادهم أو على أنفسهم، أو إنفاقه على الفقراء الذين لهم حق فيه سيكون شراً عليهم، فتجد الواحد يتمسك بالمال ويكنزه خشية أن ينقص، وتجده رغم وفرة المال يلبس ثياباً لا تليق به، وإذا سمع عن وليمة في أي مكان ذهب إليها بدعوة أو بغير دعوة، حتى وإن كان الوصول إلى الوليمة سيراً على الأقدام حتى لا يدفع أجرة التاكسي، ولذلك قال بعضهم:

والحرص إن يفسد شحاً باء صاحبه بالعار طال به مكثٌ أو انصرفا.

كما أن البخيل الحريص يحرم نفسه من فضل الله وبركاته فيبعده عنها كما يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: «البخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس، قريب من النار». يقول الحق سبحانه وتعالى: ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم. «محمد ‬38»

سئل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن البخل فقال: هو أن يرى الرجل ما أنفقه تلفاً وما أمسكه شرفا. وقال رضي الله عنه: من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه.

فالمال لو فقد، ينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة الحرص وإن كان المال موجوداً، فينبغي أن يكون حاله الإيثار والسخاء واصطناع المعروف والتباعد عن الشح والبخل، فإن السخاء من أخلاق الأنبياء وهو أصل من أصول النجاة.

قال تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.«التغابن ‬16»

وكثيرة هي البيوت التي تأثر من فيها من زوجة وأولاد بسبب بخل رجل البيت أو الزوج أو الوالد الذي يبخل على أهله ويقتر عليهم، ويطلب أن يعيشوا على قدر حالهم ولا ينظروا إلى غيرهم سواء في الملبس أو المسكن أو الأكل والشرب، وإذا سمحت نفسه واشترى لزوجته فستاناً أو لأبنائه أقام الدنيا وأقعدها، لماذا يصرون على شراء أغلى الملابس وأحدث الموديلات، ويحاول كل واحد إقناعه أن الدنيا تغيرت ولابد أن نساير الناس والعصر، لم يعد كافياً أن يظل الإنسان بلباس واحد طوال العام، والجيران حولهم يلبسون ويغيرون الملابس، إن لم يكن كل يوم فكل ثلاثة أيام، وأحياناً تصطدم رغبات الزوجة والأولاد ببخل الزوج وحرصه على المال وحبه له وقد يحدث الفراق بسبب البخل والحرص على الدنيا.

فالبخيل شخص يعيش طيلة حياته دون أن يذوق طعم الحياة.

قال مصطفى لطفي المنفلوطي: البخلاء جمال عطشانة، والمياه محملة على ظهورها، وقيل: من يقر على نفسه يكدس الثروة لغيره وياليت كل بخيل يعرف ذلك حتى لا يحرم نفسه ومن يعولهم من الطيبات.

ومن الأدوية النافعة لعلاج البخل كثرة التأمل في أحوال البخلاء، ونفرة الطبع عنهم، واستقباحهم له، فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره، ويستثقل كل بخيل من أصحابه فيعلم أنه مستثقل في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه، ويعالج أيضاً قلبه بأن يفكر في مقاصد المال ولا يحتفظ منه إلا بقدر حاجته إليه، والباقي يدخره لنفسه في الآخرة كي يحصل له ثواب بذله على الفقراء والمحتاجين، فلا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك، وبعض الناس أجود من بعض، فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة، والمروءة هي الجود ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس، ولا يكون عن طمع أو رجاء خدمة أو مكافأة أو شكر أو ثناء، فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بياع وليس بجواد، فهو يشتري المدح بماله.

والجود هو بذل الشيء من غير عوض، كما قال الإمام أبو حامد الغزالي: قال المقنع الكندي.

إني أحرص أهل البخل كلهم، لو كان ينفع أهل البخل تحريضي

ما قل مالي إلا زادني كرماً حتى يكون برزق الله تعويضي.