في سياق موازٍ مع الجدل السياسي والاقتصادي الذي اشتدت حدته حول تصدير الغاز المصري لإسرائيل، شهد الشارع المصري جدلاً آخر حول مشروعية إمداد دولة مسلمة لعدوها بسلعة استراتيجية مثل الغاز، وتباينت الآراء حول نظرة الإسلام لتلك المعاملات التجارية التي يعتبرها البعض محظورة، وكذلك الضوابط الإسلامية العامة التي تحكم عملية البيع والشراء مع الأعداء بشكل عام... «البيان» توجهت بتلك التساؤلات إلى عدد من علماء الإسلام.. والتفاصيل في السطور المقبلة. يؤكد الشيخ جمال قطب، رئيس لجنة الفتوى السابق بالأزهر، أنه عند الحديث عن هذه القضية يجب النظر بداية إلى أمرين مهمين، ألا وهما «أصول الشرع وضوابطه وقواعده، وواقع الأمة الإسلامية وما ينفعها وما يضرها».
مشيراً إلى أن كلا منهما له قواعد وضوابط تحكمه، فمن ناحية الأصول لا يستطيع أحد أن يقول إن المسلمين يجب عليهم عدم إعطاء أو عدم البيع أو الشراء لدولة أو عقيدة معينة، فالأصل أن تبقى كل المعاملات حرة طليقة من المنع. أما المعلم الآخر الذي يخص واقع الأمة الإسلامية فتراعى فيه عدة ضوابط، منها: هل هذه السلعة ضرورية للشعب المصري، وهل هناك بلدة إسلامية عربية أو محايدة تحتاج فائض هذه السلعة؟ وإذا كانت الإجابة بـ«نعم» فإن الفقهاء يرون بما يشبه الإجماع منع تصدير الغاز، ليس لأنه لإسرائيل، بل لأنها تحتل أرض فلسطين، وتعذب شعب غزة، وتفرض إرادتها على الناس بمعاونة الدول الأخرى.
الشراء والبيع
{إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إخراجكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، هكذا بدأ الشيخ فرحات المنجي، أحد كبار علماء الأزهر الشريف، حديثه عن مدى مشروعية تصدير الغاز لإسرائيل، مؤكداً أن الإسرائيليين لم يتركوا طريقاً ولا مسلكاً لإيذاء المسلمين، ومازالوا يرسلون الأعين والجواسيس ليتلصصوا على أحوال الأمة الإسلامية، بل حتى على طعامهم وشرابهم، وهذه هي العداوة بعينها، كما ظاهروا على إخراج الفلسطينيين من ديارهم وأموالهم وأرضهم واستولوا عليها وجعلوها ملكاً لهم. انطلاقاً من ذلك، يوضح أن إمدادهم بالغاز بمثابة مساعدة لهم على تحريك معداتهم الحربية التي يقاتلون بها المسلمين، ناهيك عن الاستخدامات اليومية الأخرى التي تقوم عليها حياتهم والتي تسهم أيضاً، بل هي العنصر الأساسي في تحريك عجلة الإنتاج، وكأننا نقيم حياتهم من عندنا ونسهم في ما هم فيه.
أما عن الضوابط الإسلامية العامة التي تحكم المسلمين في عملية البيع والشراء مع الأعداء فقال المنجي: إن الشراء من الأعداء يكون في سلعة ضرورية نحتاج إليها كمسلمين ولم ينتجها غيرهم، بشرط أن يعمل المسلمون على توفيرها فيما بعد، حتى يكفوا عن الشراء منهم، أما البيع فأسواق الدنيا واسعة أمام المسلمين وليست مقصورة على أعدائهم.
رأي الفقهاء
بينما يؤكد د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بالقاهرة، أن العلاقات التجارية بين المسلمين والأعداء من المحظورات، خاصة فيما يساعد على تقويتهم أثناء الحروب.. مستنداً إلى رأي الفقهاء القائم على الكتاب والسنة والأثر، فيما يخص تحريم ما يتقوى به الأعداء. وحول دليل الكتاب أشار كريمة إلى قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة:2)، وقوله عز وجل: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخرين مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}. أما عن دليل السنة النبوية، فأشار إلى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السلاح في الحروب الداخلية لما يسببه ذلك من الفتنة، وفتنة الأعداء المحاربين أشد، فالأولى ألا يباع لهم، وفيما يتعلق بدليل الأثر فلا يحل لمسلم أن يحمل إلى عدو المسلمين سلاحا يقويه به على المسلمين، ولا يستعان به على السلاح.
وفيما يتعلق بالتعاملات الأخرى غير الغاز، رأى أستاذ الشريعة أن في منع تصدير الأطعمة والأقوات، وما في حكمهما لغير المسلمين يقابله المنع منهم من تصدير ما يحتاجه المسلمون فيحصل ضرر، أما الاستيراد والجلب من الأعداء فيجوز في حدود الأحكام الشرعية؛ فلا يستورد منهم الخمور والأصنام والخنازير، مما حرمت الشريعة الإسلامية وجرمت تناوله وتداوله وتعاطيه وتملكه.
بينما يستورد منهم ما فيه تقوية للمسلمين وإعانة لهم إلا إذا كان قطع الاستيراد من الأعداء إضعافاً لهم وكسراً لشوكتهم وإضعافاً لاقتصادهم؛ لأنه والحالة هذه يكون من وسائل الجهاد المشروع.
ويؤكد د. محمد رأفت عثمان، أستاذ الفقه المقارن، أنه لا يجوز شرعاً إمداد إسرائيل بالغاز؛ لأنها دولة معتدية حتى لو لم تكن هناك حالة حرب بين مصر وإسرائيل بمقتضى معاهدة كامب ديفيد، مشيراً إلى أنه لا يجوز شرعاً مساندة أي دولة معتدية على أراضٍ إسلامية.
