القرآن العظيم يحذرنا من مجرد مقاربة الزنا، وهي مبالغة في التحرز، لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة فالتحرز من المقاربة أضمن. فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان، ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق علي أسبابه الدافعة، توقيا للوقوع فيه... يكره الاختلاط في غير ضرورة، ويحرم الخلوة، وينهي عن التبرج بالزينة، ويحض علي الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع، ويكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور، وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد، ويحض علي مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم. ويوقع أشد العقوبة علي الجريمة حين تقع. وعلي رمي المحصنات الغافلات دون برهان... إلى آخر وسائل الوقاية والعلاج، ليحفظ الجماعة الإسلامية من التردي والانحلال.
يقول تعالى (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) 32 الإسراء الزنا قيل من الضيق (لسان العرب)، ولكنه في الحقيقة من الماء (صب الماء)، فالزنا لهجة في الشنا (الشن والشنان هو الماء المتفرق)، لأن الزنا غرضه فقط الشهوة وقضاء الوطر، والزنا قد يشمل الصب عموماً كالاستمناء. والفحشاء من (الفحش) من الماء (السيل) كأنها لهجة في (فيض) وبيش (اسم وادي) لكثرة سفح الماء وهدره فيه.
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا هذه القاذورة (الزنا). ونجد كلمة (قذر) لهجة في (قذى)، والقذى ماء قذر. فالزنا لغةً هو شنّ الماء (صرفه وهدره) كما نسمي اليوم الماء المهدور المتسخ أي أن الزنا هو هدر وسفح وقذر (ماء متفرق متبعثر). وقد أخبر تعالى عن فحش الزنا، والفحش هو ما انتهى قبحه، وأخبر عن سبيله، وهو سبيل بلاء وفقر وعار وضعف للإيمان وقلة للحياء والتقوى والخوف من الله. قال الله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) النور3 وذكر ابن كثير يرحمه الله: يقول تعالي ناهيا عباده عن الزنا، وعن مقاربته، ومخالطة أسبابه ودواعيه ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة) أي ذنبا عظيما، ( وساء سبيلا) أي وبئس طريقا ومسلكا... وعن النبي، صلي الله عليه وسلم، قال ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له) أخرجه ابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعا. وجاء في الظلال لسيد قطب يرحمه الله:... وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة ــ وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس ــ لذات الصلة وذات المناسبة. إن في الزنا قتلا من نواح شتي. إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها، يتبعه غالبا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق، قبل مولده أو بعد مولده، فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة، أو حياة مهينة، فهي حياة مضيعة في المجتمع علي نحو من الأنحاء.... وهو قتل في صورة أخري. قتل للجماعة التي يفشو فيها. فتضيع الأنساب، وتختلط الدماء، وتذهب الثقة في العرض والولد، وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها، فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات. وهو قتل للجماعة من جانب آخر، إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها.
أحمد عبد المجيد