يظل مجتمع المسلمين آمناً إذا ساده الصفاء الخلقي وانتشر الود والمحبة بين أفراده، وراعى كل واحد فيه حدود الإسلام في تعامله مع الآخرين. إلا أننا نجد بعض الناس يستخدمون عقولهم في الإضرار بالآخرين الذين يتعاملون معهم ويبرِّرون تصرفاتهم بأن ما يقومون به نوع من الشطارة والفهلوة، فيضطر الواحد منهم أن يغش زميله في العمل أو أحد أقاربه أو جيرانه ويوهمهم كذباً بأنه يمكن أن يحقق لهم مكاسب لم يحلموا بها حتى يحقق هدفه ويكسب من ورائهم الكثير والذي يُعد سحتاً والنار أولى به.
ولا شك أن ما يحققه الإنسان المخادع من مكاسب زائلة سيعرض نفسه لغضب الله عز وجل ومقته، فالله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، ويقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام».
وصور الخداع والغش التي تؤثر على العلاقات الاجتماعية نجدها بكثرة في مجال التجارة، وهذا واضح للعيان، فنجد ألاعيب كثيرة في الوزن وتطفيف الكيل وأحياناً في تقديم الرديء من السلع بعد أن يغمى على الناس فيوضع فوقه قليل من النوع الجيد، فقد مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشَّنا ليس منّا».
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصبح بعض التجار الذين تعروا من الإيمان يغيرون تاريخ انتهاء صلاحية الطعام بتواريخ جديدة وهذا ولا شك يضر بصحة الناس، ويستنزف أموالهم بطرق غير مشروعة لا يقرها الإسلام. فالإسلام ينبذ الغش والخداع والغدر، وأعلن أن كل غادر سيُحشر يوم القيامة وهو يحمل لواء غدرته.
جاء في الحديث: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره». ولقد طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب العمل أن يعطي الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، ضماناً للحقوق وصيانة للنفس الإنسانية من أن تتصف بالنفاق. فمن المنافقين من إذا عاهد غدر. فطوبى لمن طاب كسبه وصلحت سريرته وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره كما وضح رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي قال في حديث آخر: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».
يقول الحق تبارك وتعالى: «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون» (البقرة: 8ــ9).
ويقول تعالى: «أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين» (الشعراء: 181ــ184).
ومن الغش استغلال حاجة الناس للسلعة وخاصة كما يحدث في شهر رمضان فيقوم التاجر الذي لا يتقي ربه برفع ثمنها بصورة تثقل كاهل الإنسان، ولو عرف أمثال هؤلاء المغالين أن قليل الربح ينمو ويزداد ببركة دعاء الناس وقبول المولى عز وجل لدعائهم.
والغش والخداع لا يقتصر على مجال التجارة، بل نجده حتى في علاقة الأصدقاء مع بعضهم، وفي علاقة زملاء العمل مع بعضهم، فتجد المقالب التي تدل على خبث الطوية والاستهتار بمقدرات الخلق.
كما تجد صوراً أخرى للغش والخداع في الاستهلاك غير الصحيح للمال العام، وقد يحدث الغش في الزواج أيضاً، فأحياناً يخفي والد الفتاة مثلاً بعض عيوب ابنته عن خطيبها بغية أن يتم الزواج ولا تحدث العنوسة، ويُفاجأ الزوج بعد الزواج بأشياء قد تغير حياته بالكلية ويكون السبب في ذلك هو الغش والخداع. ولو سادت الصراحة في أمور الزواج منذ البداية سواء من قبل الزوجة أو الزوج بحيث يظهر كل واحد بما فيه من عيوب ربما تغاضى كل طرف عنها إذا اقتنع بالطرف الآخر كشريك في الحياة.
قيل: من غش مرة وانكشف أمره لا يُصدّق ولو صدق.
كما قيل: تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس طول الوقت.
