والحديث الشريف: وصية من النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لأمته من بعده: بالتقوى، ولزوم الجماعة، وإتباع سنته سنة الخلفاء الراشدين من بعده، وتحذيرٌ من إتباع البدع.
وبالحديث الشريف من اللطائف البلاغية ما يلي:
1 ــ المفردات سهلة واضحة فصيحة؛ لا ثِقَلَ فيها ولا غموض ولا التواء ؛ وقد حلَّت في أماكنها متآخيةً متآلفة.
2 ــ والعبارات موحيةٌ الٌ على معانيها؛ بل إنها لتنقلك إلى مواقع الأحداث من حيث لا تشعر؛ فهي تهدأ في مواطن الهدوء، وتقوى تشتد في مواطن الجلبة والشدة ؛ تجد ذلك في قوله ــ صلى الله عليه سلم -: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة) فهي هادئة هدوء مقامها ؛ وهو: مقام النصيحة من نبي مودع لقومه إلى لقاء ربه ــ جلَّ وعَلاَ -. وفى قوله: (وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشىٌّ ) فهي قوية شديدةٌ شِدَّةَ مقامها الذي استوحاه الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهو مقام تكثر فيه الجلبة، ويشتد الخلاف حول من يكون أميراً ؛ وكذلك القول في: (عضوا عليها بالنواجذ) فلا يخفى ما فيها من إيحاء بالشدة والقوة حينما يكثر الخلافُ، ويشتد الهرج والمرج.
3 ــ التأكيد في جملتي: (إنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) و(فإن كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) (بإنَّ) و(اسمية الجملة) فقد أكدت الأولى ؛ لأنها جملة برية يخبر فيها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ عما سيحدث بعده؛ بل وبعد الخلفاء الراشدين من اختلاف حول من يكون أميراً على المسلمين ــ والصحابة الذين كانوا حاضرين وقت هذه الوصية ــ وإن لم يكونوا منكرين بما يخبر به الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ من غيبيات ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ــ إلا أنهم نُزِّلُوا مَنْزِلَة المنكرين لركونهم إلى الهدوء والاستقرار الذي كان سائداً في وجود النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وربما كان من بينهم من هو ضعيف الإيمان من المنافقين ؛ فأكد النبي ــ عليه السلام ــ لهم تلك الحقيقة التي يخبرهم عنها بإن واللام واسمية الجملة؛ حيث إنه يتصدرها ضمير الشأن.
وكذلك القول في (فإن كل بدعة ضلالة) فهي جملة مؤدة بإن وباسمية الجملة؛ لأنه لما قال: (وإياكم ومحدثات الأمور) أي البدع ثار تساؤل حول ما يبتدع من أمور؛ فأكد لهم أن البدع تؤدى إلى الضلال.
4 ــ الاستعارة بالكناية في (أوصيكم بتقوى الله) و(السمع والطاعة) فقد جسد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ الأمور المعنوية بأشياء حسية يحتفظ بها؛ وكأنها جواهر ثمينة يجب صيانتها والاحتفاظ بها إلى وقت الاحتياج إليها؛ وإنها لكذلك، أما قوله: (وكل ضلالة في النار) فمعناه: كل ضلالة صاحبها في النار.
د. حسن إسماعيل عبد الرازق