يعد الأكثر مصداقية في نظر المصريين، يحلقون حوله عند اختلاف المسلمين حول بدايات الشهور العربية، ليس هذا فقط بل في حالات الزلازل هو الأصدق تنبؤا ورصده لا مزايدة عليه، وفي تحديد مواعيد الصلاة والنشاط الشمسي وكل أبحاث الفلك هو الأكفأ..

يطلق عليه عامة المصريين «مرصد حلوان الفلكي» ورسميا يسمى «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيائية»، وأيا كان اسمه فهو يستمد قدرته وكفاءته من تاريخه الطويل الذي يمتد إلى أكثر من مئة عام، حيث يعتبر من أقدم المعاهد والمراكز البحثية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وينافس أكبر مراصد العالم؛ لذلك لم يكن غريبا أن تنتبه إليه منظمة العلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) التي قررت قبل أسابيع تسجيل هذا المرصد ضمن التراث الفلكي العالمي.. «الحواس الخمس» تلقي الضوء على هذا الأثر المهم.

أنشئ مرصد حلوان عام ‬1903 ميلادية، وتم تسجيله ضمن التراث الفلكي العالمي استنادا إلى كثير من الإنجازات الضخمة التي حققها، حيث يحسب له أنه قدم خدمات كبيرة لمصر والمنطقة العربية والعالم الإسلامي، خاصة في تحديد مواقيت الصلاة بدقة، فضلا عن الحسابات الفلكية الدقيقة لميلاد الهلال للشهور العربية. وتذكر النشرات الخاصة بالمرصد، أنه كان به منظار فلكي قطره عشر بوصات، ولكن في عام ‬1905 أي بعد عامين من إنشائه أهداه العالم الفلكي البريطاني «رينولدز» منظارا قطره ‬30 بوصة كان يقوم برصد حركة النجوم الخافتة، واستمر هذا المنظار بالمرصد قرابة نصف قرن يرصد الكواكب والنجوم.

 

تطور هائل

وشهد المعهد خلال مراحل التطور الهائل على مدار سنوات عمره تأسيس العديد من فروع الفلك والجيوفيزيا وعددًا من المراصد والمحطات في محافظات مصر كافة، ولكن قبل هذا التاريخ الذي أنشئ فيه مرصد حلوان أو كما يطلق عليه المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيائية عام ‬1903، كان العلماء الفرنسيون خلال الحملة الفرنسية على مصر قد أقاموا نواة لمرصد فلكي خلال القرن قبل الماضي والذي ظل يعمل حتى تم إغلاقه عام ‬1860، وفي العام ‬1868 أقيم مرصد آخر بمنطقة العباسية بالقاهرة، ولكن تم تغيير مكانه عندما بدأ الفرنسيون التفكير في إدخال ورصد شدة المجال المغناطيسي الأرضي، فاكتشفوا أن هذا المكان لا يصلح في ظل وجود خطوط «الترام» وتأثيرها كهربائيا على المشروع، بالإضافة إلى كثرة الأضواء المتناثرة في القاهرة والتي أثرت على كفاءة المرصد الفلكي؛ مما أدى إلى نقل المرصد إلى منطقة حلوان ــ جنوب القاهرة، والتي كانت في ذلك الوقت بعيدة عن الأضواء وعدد سكانها لا يزيد على ‬5 ألاف نسمة، وتم على ضوء ذلك صدور قرار نهائي عام ‬1903 بإنشاء المرصد في منطقة حلوان.

ويتفق الكثير من العلماء على أن الثقة في هذا المرصد القومي للبحوث الفلكية لا حدود لها، فالعرب والمسلمون في كل مكان ينظرون لهذا المرصد أنه الحل الأمثل لفك الاشتباك بين مراصد الدول المختلفة..

وفي يوم رؤية هلال رمضان تستقطب الأسر المصرية أبناءها وأطفالها لحضور استطلاع رؤية الهلال.. يقول كمال سامي عبد المنعم ــ مواطن من مصر الجديدة: اعتدنا على الذهاب لمرصد حلوان منذ عدة سنوات، ويضيف: حضورنا استطلاع الرؤية يعطينا إحساسًا رائعًا وجميلاً ونعتبرها نحن كأسرة يومًا خاصًا لا يتكرر إلا مرة واحدة كل عام.

ونظرا للشهرة الكبيرة التي يحققها هذا المرصد عالميا، فإن هناك العديد من العلماء الأجانب أقدموا على إجراء دراسات عليمة مشتركة مع المعهد في مصر، فيما يقول الباحث في مجال العلوم د. عبد الرحمن إسماعيل، إن هذا المرصد قد ساهم إلى حد كبير في تجاوز كثير من التعقيدات العلمية والفلكية في تحديد تواريخ وأماكن تتعلق بالرؤية للشهور العربية ورصد الزلازل وتحديد مواقيت الصلاة بشكل دقيق وغيرها من الانجازات محل تخصصه.. مشيرا إلى أن هذا المرصد يتمتع بموقع جغرافي نادر؛ ما يفتح المجال إمام الباحثين المصريين لتسويق البحوث الفلكية، فضلا عن أن ذلك سيمنحهم الفرصة أيضا للدخول في تعاون دولي واسع.

إنجازات كبيرة

وأرجع علماء فلك مصريون قرار تسجيل مرصد حلوان ضمن التراث الفلكي العالمي التابع لليونسكو إلى عوامل عديدة وإيجابية استنادا إلى الإنجازات الكبيرة التي ظل ينجزها المرصد، بالإضافة إلى الاستعانة بأبحاث علمائه التي حققت عددًا من الإنجازات العلمية العالمية ومنها: صعود الإنسان إلى القمر والتقديرات الفلكية لأول سفينة فضاء أمريكية «أبوللو»، حيث جاء وقتها السادس على العالم في مستواه العلمي. وأخيرا تم الانتهاء من عمليات تطوير وتحديث منظار مرصد القطامية الفلكي الذي يعد أكبر منظار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب الكرة الأرضية عموما، ويقول كبار العلماء في مجال الفلك، إن هذا المنظار التابع لمرصد حلوان سيتيح لمصر فرصة كبيرة للاحتكاك مع كبار الفلكيين في العالم، خاصة أن مصر تقع في موقع إستراتيجي في خطوط العرض المتوسطة، بالإضافة إلى طبيعة الجو المعروف بالصفاء والنقاء والذي يساهم في رصد النجوم الجنوبية التي يصعب تناولها من خلال راصد شمال أوروبا.

 

مقصد سياحي

وتعرف مدينة حلوان، التي تحتضن المرصد، بأنها أهم المقاصد السياحية، فهي مدينة الشمس والهواء، حيث تبعد ‬30 كيلو متر جنوب القاهرة، ويوجد بها عدد كبير من العيون المائية التي يقبل عليها السياح خاصة في مجال السياحة العلاجية، كما يوجد بها مقياس النيل الذي كان يعتبره المصريون من الأشياء المقدسة، حيث كان يدهن بالزيت المقدس تبجيلا له وذلك قبل أن يحل محله مقياس آخر عام ‬715 في مصر القديمة بجزيرة الروضة.

وكان عبد العزيز مروان قد أرسل كشافين للبحث عن مكان صحي ليقيم فيه بعد انتشار وباء الطاعون في مدينة الفسطاط، فاختار له الكشافون منطقة حلوان وعليه أسس حكومته ونقل الدواوين الحكومية إليها وأقام ثكنات للجنود، ومن هنا تطورت حلوان التي أصبحت وقتها أجمل من الفسطاط، لكن بعد ذلك أهملت المنطقة حتى قام الخديو إسماعيل في عهده عام ‬1873 بإعادة تخطيط المنطقة من خلال معايير حديثة، وبنى قصرا له شمال غرب المدينة كان يقيم فيه لفترات ويعقد فيه أهم اجتماعاته، وبعد ذلك بسنوات أضيف للمنطقة مرصد حلوان الذي زادها أهمية بين مناطق مصر.