دعا علماء المسلمين إلى توقيع حد الحرابة على من يقومون بترويع الآمنين في بيوتهم أو في الشوارع، وشددوا على حرمة هذه الأفعال المؤثمة من بث الرعب في القلوب، وضرورة تطبيق حد الحرابة ضد من يمارسون البلطجة ويقذفون الرعب في القلوب الآمنة.
وأوضح د. عبدالمعطي بيومي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن القائمين بهذه الأعمال الإجرامية طغاة يثيرون الرعب ويحملون السلاح ويهددون العامة ويفسدون في الأرض.. ويجب ردعهم وقتالهم؛ لأنهم ممن ينطبق عليهم آية الحرابة التي قال الله فيها: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أو يُصَلَّبُواْ أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أو يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). وأضاف أن القرآن الكريم وضع العقوبات التي وردت في الآية أمام القضاء، ليرى القاضي إنزال العقوبة التي تتناسب مع الجريمة، موضحاً أن مصطلح البلطجة الذي انتشر أخيرا يشمل كل فعل خارج على القانون، أما المصطلح الشرعي فيعني الخروج على طاعة الحاكم العادل دون مبرر، ودون تأويل أو شكوى أو مظلمة، فيقوم بتهديد الناس في أرزاقهم أو حياتهم أو أموالهم وهذا إفساد في الأرض.
وتابع د. عبدالمعطي قائلاً: أما التظاهر السلمي الذي لا يحمل فيه المواطن سلاحا ولا يهدد حياة أحد، بل يخرج للمطالبة بالمساواة والعدالة والحرية أو بكفالة العمل وتهيئة الظروف لمعيشة كريمة، فهذا أمر لا يمكن إنكاره، والقائمون به ليسوا بغاة، وذلك مقرر بجميع المذاهب الفقهية. ويشير إلى أن الفوضى وعدم قيام بعض الحكومات بإرساء العدل وإنصاف المظلومين وتوفير الحياة الكريمة وعدم حل مشكلات المجتمعات.. وراء انتشار تلك الظواهر، مؤكدا أنه عندما يقوم العدل يتوفر الآمن، ومن ثم لا يكون هناك مبرر لترويع الآمنين.
مفسدون في الأرض
بينما يؤكد د. أحمد عمر هاشم، الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، أن الإسلام ينظر إلى مثيري الرعب والذين يحدثون الفتنة وترويع الآمنين على أنهم يرتكبون إثماً كبيراً، وأنهم فاقدو الإيمان؛ لأن المؤمن لا يروع أخاه، ومن يرتكب ترويعاً بأمته يرتكب جريمة نكراء تدخل ضمن نطاق حد الحرابة، وقد قال الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» وزاد الترمذي والنسائي «والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم». وأضاف د. هاشم أن الذي ينتهك الحرمات يكون بعيدا عن الإيمان، والإسلام حرم ذلك تحريماً حاسماً فحرم حتى النظرة المخيفة من المسلم لأخيه المسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «من نظر إلى أخيه المسلم نظرة يخيفه بها بغير حق أخافه الله يوم القيامة»، وقال صلى الله عليه وسلم «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي».
وتابع قائلاً: فإذا كانت النظرة محرمة، فما بالنا بمن يروع الآمنين، ويعتدي على الحرمات.. وهذا لا يكون إلا مع غياب الإيمان والعدل، ولذا يجب على الجميع سواء كان ولاة الأمر أو أبناء الآمة تحقيق الإيمان والعدل والعمل الصالح من أجل تحقيق الأمان، كما وعد رب العزة في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) وبهذا يتحقق الأمن في كل المجتمعات العربية.
وعن عقوبة ترويع الآمنين في الإسلام، قال د. هاشم إنها تختلف حسب ممارسة الترويع، فهناك ترويع شديد يترتب عليه قطع الطرق والعدوان على الأنفس وإزهاق الأرواح، والعقوبة يجب أن تكون مشددة؛ لأنهم مفسدون في الأرض وعقوبتهم كما جاءت في الآية الكريمة: (أَنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أو يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ) وتقل العقوبة إذا كان الترويع أقل.
صناعة فاسدة
أما المفكر الإسلامي أبو إسلام أحمد عبدالله، فيرى أن البلطجة هي صناعة أنظمة حاكمة فاسدة، وتأتي بسبب سوء الإدارة سياسيًا واجتماعيًا، وهي أنظمة أجادت صناعة الجهل والفقر والعنف، واستغلت فئة من منعدمي التربية والأخلاق والتعليم لنشر الرعب بين الآمنين، وفي ذلك تشويه لصورة الإسلام المرتبط بالأمن والسلام، والذي يأتي في أحكامه وفي فقهه النبوي الشريف الذي نهى صحابيا عند ترويع آخر لمجرد أنه أخفى عنه نعله، فما بالنا بترويع الآمنين وقتلهم.
وأضاف أنه على كل من يرغب في أن يرضي الله أن يبتعد عن كل ما يؤذي الآخرين، فهذا ضلال كبير، وعلى علماء الإسلام والخطباء في المساجد أن يوضحوا حقيقته، ويكشفوا القائمين عليها، كما يبينون الأحكام الشرعية المترتبة على هذه الجرائم. أما د. عبدالله بركات، أستاذ المذاهب بكلية الدعوة الإسلامية، فقال إن علينا أن نمسك بالأيادي الخفية وراء نشر البلطجية ومروعي الآمنين، وأن نبدأ بالتربية الإسلامية للطفل والتي عليها الأساس القوي لمنع تلك الجرائم وإخفائها من مجتمعاتنا العربية. وتابع أن هناك ركائز تربوية دينية لتربية النشء لحمايته من مثل ذلك في المستقبل، فقوله تعالى: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أو فِي السَّمَاوَاتِ أو فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ). مؤكداً أن الله سبحانه وتعالى حرم ترويع المسلم وإخافته بشتى الصور، فقد روى النعمان بن بشير أنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير فخفق رجل عن راحلته، فأخذ رجل سهماً من كنانته فانتبه الرجل ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لرجل أن يروع مسلماً».. وختم د. بركات مؤكداً أن الأمن قاعدة أساسية في الإسلام يجب التصدي لمن يحاول النيل منها.
