قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) وقال تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت معلماً».
نجد في الآيتين الكريمتين أن مهمة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ممثلة في التعليمَ والتربية، تعليمَ الكتاب والحكمة، وتربيةَ النفوس عليهما، حيث إنهما نبع كل خير، وبهما تستقيمُ الجوانبُ الاجتماعيةُ والاقتصاديةُ والأخلاقيةُ والسياسيةُ والعسكريةُ. والأمةُ بدون منهج علمي يوضحُ لها جوانبَ سلوكِهَا، وبلا تربيةٍ يعرفُ كلُّ فردٍ من أفرادها واجبَه، لا تفلح أبداً ولا تستقيم لها الحياة. من هنا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في تكوين أمة جديدة لها كل مقوماتها الفكرية والسلوكية والأخلاقية والتشريعية، فصهر أفرادَ هذِهِ الأمةِ صَهْراً تاما، في بوتقةِ الإسلامِ والإيمانِ ثم حدد لكل فرد من أفرادها مهمتَه ودربه على أدائِهَا، وخط له الطريق السليم، ووضحَ له معالِمَها، ولذلك نقل النبي عليه الصلاة والسلام القبائل العربية من التفرقة إلى الوحدة ومن التناحر إلى السلام ومن التفكير المتدني إلى التفكير الإبداعي الذي يصب في خدمة المجتمع كله وليس في خدمة القبيلة فقط فاستطاع عليه الصلاة والسلام أن ينقل أصحابَه من حالة التفكير السطحي إلى حالةٍ عالية في التفكير والسلوك والتصور والاهتمام، ويقول المستشرق هيل: «إن جميع الدعواتِ الدينيةِ قد تركت أثراً في تاريخ البشر، وكلّ رجال الدعوة والأنبياء قد أثروا تأثيراً عميقاً في حضارةِ عصرهم وأقوامِهِم، ولكنا لا نعرف في التاريخِ دعوةً كان صاحبُها سيداً مالكاً لزمانِهِ ولقومِهِ كما كان محمدٌ، لقد أخرجَ أمةً إلى الوجودِ ومكّن لعبادةِ اللهِ في الأرضِ، وفتحها لرسالةِ الطهرِ والفضيلةِ، ووضعَ أُسُسَ العدالةِ والمساواةِ الاجتماعيةِ بين المؤمنين، وأصَّل النظامَ والتناسقَ والطاعةَ والعزةَ في أقوامٍ كانت لا تعرفُ غير الفوضى» وذكرت دائرة المعارف البريطانية: «لقد صادف محمدٌ النجاحَ الذي لم ينل مثلَهُ نبيُّ ولا مصلحٌ دينيٌّ في زمنٍ من الأزمنةِ».
ولقد أوضح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مهمته في الحديث الشريف السابق ذكره، فوجد أن صحابته رضوان الله تعالى عليهم أجمعين قد تغيرت حياتهم بعد أن اتبعوه ودخلوا في دين الفطرة فتغير واقعهم وأعمالهم وتصرفاتهم وتصوراتهم وأفكارهم. فبعد أن كانت نظرتهم للحياة نظرة ضيقة من منظور القبيلة والعصبية أصبحت أكثر شمولية مؤمنين بأنهم يمتلكون رسالة يجب عليهم أن يؤدوها كما أرادها الله عز وجل ورسوله فرفعهم من الحضيض إلى السموٍّ الذي لا يدانيه سمو آخرُ أبداً. وهذا سيدنا عمر بن الخطابِ رضي الله عنه فلقد كان في الجاهليةِ رجلاً قبليَّ الفكر والطبيعة والعاطفة والتصور، همه في الحياة السكرُ، واللهوُ والبطالةُ، ولولا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعاشَ عمرُ وماتَ عمرُ وما أحسَّ بِهِ أحدٌ، ولكنَّهُ ما إن دخلَ الإيمانُ قلبَهُ حتى أصبحَ عمرُ العبقريَّ الفذَّ، ورجلَ الدولة العظيم، ورمزَ العدلِ مع الحزمِ والرحمةِ، وسعةِ الأفقِ والإدراكِ وحُسْنِ الفَرَاسة وما كان عمر ليكونَ شيئًا لولا أنه تربى في حجرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذَ عنه العلمَ والحكمةَ والتربيةَ.