أكد ماهر سقا أميني الباحث الإسلامي والناشر أن شيوخ الكتاب مارسوا دورا تعليميا وتثقيفيا وتربويا كبيرا في البيئات الحضرية والريفية، وان من حق المسلم أن يظن خيرا بالمشايخ ويرى فيهم مقدمات وأسبابا لهذا الظن، ومن حقه أن يرى قدوة في هؤلاء مادام يراهم أهلا لذلك، وهذا ليس له أية صلة بالتقديس.
وقال إن العلم هو محاولة لتنظيم المعلومات والمعارف والتحقق منها ومن إمكانية استثمارها أو تحققها في الواقع وبين الأفراد، ومؤكدا أن الدين هو وجود المقدس في حياة الناس ومعلوماتهم وعقائدهم عن هذا الدين وأثره على حياتهم الفردية والجماعية.
وكان معه الجزء الثاني من حوارنا معه حول الفلسفة والدين:
هل تدعو إذن إلى (إسلام بلا مشايخ) كما هو عنوان كتاب جمع أفكار الصادق النيهوم؟
من هو الشيخ؟ إذا كان الشيخ هو المشتغل في الخطاب والتفكير والتعليم والاجتهاد الديني فلا يوجد إسلام بلا مشايخ كما لا يوجد أي دين بلا هذه التخصصات، إذا كان الشيخ هو الإمام والخطيب فهذه شعائر من صلب الإسلام وبالتالي لا إسلام بلا مشايخ، وأنت تعلم أن شعار إسلام بلا مشايخ يقصد به شيء آخر.
ما المقصود؟
من حق المسلم أن يظن خيرا برجال يرى فيهم مقدمات وأسبابا لهذا الظن، ومن حقه أن يرى قدوة في هؤلاء مادام يراهم أهلا لذلك، وهذا ليس له أية صلة بالتقديس، أما عن علاقة المشايخ بالسلطة فهذه تهمة منقولة حرفيا عن الغرب لا أعتقد أن الواقع الإسلامي اليوم يعاني منها، فكما هناك مشايخ مع السلطة يوجد مشايخ مناوئون، وكما أن هناك مشايخ متصالحون مع الحكام أو الطبقات الغنية هناك آخرون ليسوا كذلك، المسألة مسألة إخلاص قبل أن تكون مسألة مع أو ضد، وإلا فاننا يجب أن نعتبر أن كل خارج عن السلطة أو منشق عنها أو مناوئ لها شيئا ايجابيا حتى وان أدى ذلك إلى فتنة. أنت تعلم أن الإمام أحمد بن حنبل عارض المعتصم في خلق القرآن وتحمل الكثير من أجل ذلك، خصومه في ذلك الوقت كانوا من المعتزلة الذين يصر بعض العلمانيين على اعتبارهم رواد التنوير عند العرب والمسلمين، أنا هنا لا أقوم فكرهم ولكنني أتحدث عن الاضطهاد الفكري الذي مارسوه في حق كل من عارضهم، هل تعتبر أن الإمام أحمد لم يكن شيخا بالمعنى المحترم النبيل الذي يراه ويقدره به المسلمون، من جهة أخرى وقف كثيرون من المشايخ مع قادة عظام في جهادهم وإدارتهم للبلاد، وكانوا يقرونهم على الحق ويمنعونهم عن الباطل، وهذا إلى جانب المشايخ وليس ضدهم، ان من يحارب مفهوم أو لقب أو وظيفة الشيخ يحارب مفهومين في ذهنه ليس لهما رصيد من تاريخ أو واقع، مفهوما القداسة والتآمر مع السلطة، وهذان المفهومان ليسا لازمين لكل شيخ.
ادوار تعليمية
إذن أنت تحدد وظيفة الشيخ بالإرشاد والقيام بالطقوس الدينية؟
المسألة ليست حدية بهذا الشكل، الدور الاجتماعي والروحي للشيخ والذي تشكل عبر التاريخ لا يمكن شطبه بجرة قلم، ثم إن هناك خصوصيات تتبع كل بيئة من البيئات لا بد من الوقوف عندها، طه حسين في (الأيام) سخر كثيرا من شيوخ الكتاب ثم شيوخ الأزهر منطلقا من إعجابه الآسر بالعقل الأوروبي وأساتذته، ونحن نرى أن شيوخ الكتاب مارسوا دورا تعليميا وتثقيفيا وتربويا كبيرا في البيئات الحضرية والريفية كما تقرأ في تاريخ التربية في البلاد العربية والإسلامية، بل ان دعوات اليوم تطلق من قبل مشتغلين بالتربية تلح على العودة إلى عصر الكتاتيب، أما شيوخ الأزهر فقد يكونون ممن قصروا في بعض الجوانب في تلك الفترة ولكنهم بكل الأحوال ليسوا بهذه الصورة الكاريكاتورية التي أتحفنا بها طه حسين، فضلا عن أدوارهم التعليمية والتربوية والتثقيفية والسياسية، سيبقى للشيخ دوره الاجتماعي والتربوي والروحي إلى جانب دوره التعليمي ودوره في إدارة شؤون التعبد، وهذا بالطبع يحتاج إلى الشخص المناسب، وهو ما يقدر أن يقرره الناس.
الخطاب الديني
ولكن ألا ترى أن (المشايخ) يتداولون خطابا دينيا تقليديا ومستهلكا؟
أي خطاب يحكم عليه من خلال المخاطب ــ بكسر الطاء ــ والمخاطب ــ بفتحها ــ ورسالة الخطاب، لا أعتقد أنك تطالب جميع المشتغلين بالخطاب الديني أن يكونوا قادرين على إرسال خطاب يقتضي درجات عالية من الاختصاص كما أنك لا يمكن أن تتصور أن جميع الناس قادرون أو مهتمون بمثل هذا الخطاب، ثم لننظر في الخطاب نفسه ألا يمارس وظيفته الدعوية والأخلاقية والوعظية ؟وهل يحقق المراد منه ؟أم أن المسألة هي مجرد رغبة في التعقيد والتقعر؟ هناك مشايخ يطلقون خطابا بسيطا جدا ويكاد يكون أقرب إلى العامية ومع ذلك فانه يمارس دوره بشكل فعال، أركون في كتابه الأخير قبل مماته شن حربا شعواء على خطباء المساجد ومشايخ الفضائيات باعتبارهم تقليديين وهذا غير صحيح بل وفيه الكثير من التجني، لأننا نلمس الوظيفة الايجابية لخطاب هؤلاء بغض النظر عن الأخطاء الفردية، والعلوم التي يريد أركون أن يلم بها خطيب المسجد أو الشيخ الإعلامي تحتاج إلى تفرغ كامل قد لا يسمح بدراسة العلوم الشرعية نفسها فضلا عن عدم فائدة الكثير منها، أنا لا أنكر ضرورة الإفادة من العلوم المعاصرة والفكر المعاصر في صياغة خطاب إسلامي معاصر.
ولكن لن يكون هذا الخطاب شعبيا أبدا، وأنا أرفض الاستخفاف بالعامة أو بالشرائح الواسعة من الناس لمجرد عدم قدرتهم على التعامل مع الخطابات النخبوية.
الخبرة الانسانية
الحديث عن ضرورة الطرح الفلسفي والعلمي فيما يتصل بالدين يفهم منه البعض عدم كفاية أو نجوع معطيات الوحي، كأنك تقول إن الخطاب الإسلامي باقتصاره على معطيات القرآن والسنة لن يكون مقنعا أو كافيا، وهذه قناعة مستقرة عند كثيرين من المشايخ ممن يرون في تراث الأمة الإسلامية وعطائها الفكري ما يكفي لإدارة شؤون حياتها، ما رأيكم في هذا؟
الوحي نص متعال ولكن قراءته تحتاج إلى إعمال العقل والخبرة الإنسانية فيه، والوحي منجم ثري فيه ما يكفي ويشفي من باب الكليات لا الفروع والتفصيلات، من حقك أن تكون لك كفرد قراءتك البسيطة للوحي أو قراءتك المستغنية عن الفلسفة والعلم، ولكن هذا لا يجوز على مستوى الأمة وعلى مستوى المشتغلين بالخطاب الإسلامي، لأن التفكر مما أمرنا به قرآنا وسنة ولأن العقل الإنساني يتجاوز نفسه دائما، الوحي لا يحتاج إلى الفلسفة أو العلم ليضيفا عليه أو ليثبتا صحة ما يذهب إليه ولكن هذا عند من آمن به.
