يظل ولي الأمر في مجتمعاتنا الإسلامية، سواء كان الأب أو الأم أو الكبار من الأقارب محل ثقة واحترام وتقدير، كما أمرنا الله في كتابه الكريم، لذلك يلجأ الابن في حالة رغبته في الزواج إلى التشاور والتحاور مع ولي الأمر خاصة الأب والأم، وإذا رفض الوالدان يسعى إلى إقناعهما بالحسنى والمنطق.. لكن ماذا إذا أصر الابن على اختياره وعاندهما وتزوج دون أن يرضخ لرغبتهما رغم رفضهما لهذا الزواج، هل يعتبر هذا الابن عاقا لوالديه؟.. اجتهادات عديدة لعلماء الدين تجاه زواج الابن دون رغبة والديه، فمنهم من يرى أن إصرار الابن على الارتباط بالفتاة التي رفضها الوالدان نوع من العقوق، فيما يؤكد البعض الآخر وهم الأغلبية أن الابن في هذه الحالة غير عاق، خاصة وأن نتائج هذا الزواج على غير رغبته تكون سلبية وقد تشكل عدم استقرار في وسط الأسرة الكبيرة. وهذا ما جعل الشاب «عصام. ن. م» يعيش قلقا بعد أن رفض والداه ارتباطه بزوجته الحالية، يقول عصام: كانت حلم حياتي، وعندما رغبت في الزواج أبلغت والديّ ففوجئت برفضهما الفتاة التي أرغب في الارتباط بها رفضا قاطعا ونهائيا، مرجعين السبب إلى عدم التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بيننا، ولكني أصررت على رأيي وتزوجت فتاتي منذ أشهر، غير أن ما يحزنني أنني أرى الغضب في وجههما، وهذا ما زاد من قلقي وخوفي من الله سبحانه وتعالى أن أكون مخطئا في حقهما.
حق للشاب.. لكن!
ولكن د. عبد المعطي بيومي، عضو مجمع البحوث الإسلامية الأسبق، يقول: علينا أن نأخذ العبرة من حديث رسولنا الكريم سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي قال «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس».. مشيرا إلى أن النسب من الأمور التي تناولها الإسلام وذلك عندما قال الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» والاختيار يفترض دائما أن يتم على أساس معرفة أهل الزوجة والطرف الثاني أهل الزوج في حالة الرغبة في الارتباط؛ لأن ذلك يضمن التعايش السليم بين الأسرتين حتى لا تكون هناك مشكلة تفاوت اجتماعي أو ثقافي أو أخلاقي.. وبسؤاله.. هل يكون الابن عاقا حال زواجه دون رغبة والديه، قال: نحن لا نستطيع أن نقول إن هذا الابن عاق؛ لأن الاختيار من حق الشاب، ولكن لا بد أن نضع في اعتبارنا أن هذه الزوجة ستنتمي لأسرة الزوج وتصبح جزءا منها، ولذلك اعتراض الأهل ورفضهم لابد أن يكون محل اهتمام من الابن؛ لأنهم أي الأهل بالتأكيد يعلمون دلائل تؤكد خطأ ما أو سلوكا لا يتناسب مع مستقبل الابن، بينما يعتقد الأخير أن الحب هو كل شيء بحكم العاطفة التي تتغلب في أحيان كثيرة على العقل.
أما الشيخ عادل أبوالعباس، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، فيتفق مع القول بأن زواج الابن لا يشترط فيه موافقة الوالدين، ولكنه ينصح الابن بضرورة طاعة والديه والحوار معهما بمعروف، خاصة أن الوالدين لا يمكنهما أن يقفا في وجه سعادة ابنهما، بل يكونا حريصين كل الحرص على اختيار الأفضل والأنسب له، فضلاً عن أن موافقتهما تعني الخير والبركة لهذا الزواج.. وقال: ما يمكن أن يكفي الأسرة شر الخلاف هو الالتزام بوصية الرسول الكريم للشباب والمقبلين على الزواج، حيث قال «تُنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» والتي لا يمكن أن يعترض عليها أحد، لافتا في الوقت ذاته أن إصرار الابن أحيانا على الزواج بمن لا يرضى بها والداه قد يتسبب في الفرقة والخصام بينه وبين أهله، بينما يفترض أن يجيء انضمام عروسة إلى صف الأسرة لدعمها وليس للفرقة.
قصة واقعية
وهناك قصة مشابهة اعترف بها تامر وهو شاب في الثلاثينيات من العمر، حيث تزوج منذ 5 سنوات رغما عن والديه اللذين رفضا هذا الزواج تماما لعيوب رأوها في الفتاة التي اختارها الابن ورفض نصائح والديه، يقول تامر: استغربت من رفض والديّ للفتاة التي اخترتها وتناقشت معهما طويلاً وقالا كلاما غير مقنع ولا يستدعي الرفض، فأصررت على موقفي وأقمت زواجي، رغم أن والديّ لم يرغبا في حضوره، ولكن كبار العائلة أقنعوهما بضرورة التواجد كمظهر اجتماعي، ويكمل: لكن بعد الزواج بشهور بدأت أشعر بأنني أخطأت الاختيار وكدت أرمي عليها يمين الطلاق، ولكنها كانت حاملاً وكانت تصرفاتها ليس فيها احترام لي ولا لأسرتي، ووالداها أعطياها حرية عريضة منذ صغرها تفعل ما تريد ويناصرها أهلها فيما تفعله، رغم أن كل أفعالها تخالف تقاليدنا الاجتماعية فهي تلبس ما تريد رغم اعتراضي، وبعد المولود الثاني توقفت عن الإنجاب وصبرت طويلا، وأخيرا اكتشفت أن الملاحظات التي قالها والداي لي حول زوجتي كانت صحيحة وليست بسيطة كما كنت أعتقد، فكانت النتيجة أن طلقتها ودخلت في قضايا نفقة وقائمة ومؤخر ومازلت أعاني.
