عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. (رواه البخاري). هذا الحديث الشريف من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وهو من النصائح الغوالي التي كان يتعهد بها أصحابه؛ فقد جمع كل ما يدور عليه الدين الحنيف من أوامر ونواهٍ مندرجة تحت الحلال والحرام، والمندوب والمكروه؛ بل وما فيه شبهة فيما وزنته بميزانك الدقيق الحساس ــ وهو ميزان «الحياء» ــ جمع كل هذا بعبارة فصيحة قوية موجزة صارت مثلا؛ ألا وهي قوله صلى الله عليه وسلم «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» أي: إذا لم يكن فعلك مما يستحى منه فافعل ما شئت ما دام لا يخدش الحياء؛ أو إذا كنت لا تستحي من الله تعالى فافعل ما شئت فسوف تلقى جزاء ما صنعت.
وفيه من اللطائف البلاغية ما يلي:
1 ــ الإيضاح بعد الإبهام: وهو من المعايير التي يلجأ إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم لتثبيت المعاني الهامة في نفوس أصحابه، وتمكين النصائح الغالية من قلوبهم؛ فقد أبهم معيار الحياء الذي به يزن الإنسان صنعه بينه وبين نفسه أولا في ضمير الشأن أو القصة؛ أي: إنه مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى؛ ليشتاق السامعون إلى معرفة هذه القصة، ثم وضحه بقوله: (مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى) ليعلم السامعون أن هذا الأمر مما أثر عن الأنبياء السابقين فيزدادوا تلهفا إلى معرفة ذلك الأمر؛ لأنه مما يتعلق بأمور دينهم، ثم زاده توضيحا بأن هذا الأمر إنما هو: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ففي هذا التدرج في الإيضاح بعد الإبهام ما يزيد المعاني ثباتا في النفس ورسوخا في الأذهان.
وفيه ـ أيضاً ـ تشويق للسامعين بالإبهام الذي يسبق الإيضاح؛ فيحرص السامعون على سماع هذا الأمر المبهم الذي أبهمه المصطفى صلى الله عليه وسلم، خاصة وأنه قد أكد بأن وباسمية الجملة؛ وما ذلك إلا لأنه من الأمور العظيمة التي يريد المصطفى أن يحرص المسلمون على معرفتها؛ لتعصمهم من الخطأ في أمور دينهم.
2 ــ والتقديم في قوله: (مما أدرك الناس) مفيد للاهتمام بأمر هذا المعيار؛ وهو معيار الحياء والتعبير عنه «بما» في قوله: (مما أدرك الناس) للتعظيم والتهويل؛ أي: إن ما تركه الأنبياء السابقون على المصطفى صلى الله عليه وسلم من أمور الدين عظيم ومفيد والتعبير (بمن) المدغمة في (ما) يفيد أن معيار الحياء إنما هو جزء من كل، وليس كل ما تركه الأنبياء السابقون وحذف المفعول في (مما أدرك الناس) للإيجاز .
وآثر التعبير بكلمة (الناس) ليشمل جميع الناس مؤمنهم وكافرهم؛ حتى إن قدماء المصريين قد أدركوا من كلام النبوة الأولى كثيرا من قيم الدين الحق كالتوحيد الذي دعا إليه إخناتون ـ وكالإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار؛ وكالنصائح التي تركوها في بردياتهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والبعد عن الرذائل، وإتيان الفضائل، وأن في الآخرة حسابا على ما قدم المرء في حياته الأولى من حسنات أو سيئات؛ ولهذا أقاموا الأهرامات التي تحفظ أجسادهم لتبقى سليمة ـ في اعتقادهم ـ لإيمانهم بالحياة الأخرى. وقد أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: « وفرعون ذي الأوتاد» والأوتاد هي تلك الأهرامات؛ وقد سماها القرآن الكريم (أوتادا) تشبيها لها بالجبال التي قال الله تعالى في شأنها: (ألم نجعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا).
3 ــ وقوله: (النبوة الأولى) ولم يقل: (من كلام الأنبياء السابقين) ليفيد أمرين: أولهما: أن جميع الأنبياء رسالتهم واحدة، وهي: أنه (لا معبود بحق إلا الله تعالى) وثانيهما: أن النبوة الأولى كانت تمهيدا للنبوة الخاتمة؛ وهى نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين؛ وإلى ذلك يشير حديثه الشهير: مثلي ومثل الأنبياء السابقين من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأجمله وحسنه إلا موضع لبنة منه ..» إلى أن قال: «فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين».
4 ــ تعبير المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) تعبير رقيق شفاف يصلح لمعنيين كلاهما مفيد إفادة عظيمة: أولهما: إذا لم يكن فعلك مما يستحيى منه فاصنع ما شئت؛ أي: فلا ذنب عليك فالأمر للإباحة وثانيهما: إذا كنت لا تستحي من الله تعالى فاصنع ما شئت؛ فالأمر بهذا المعنى يكون للتهديد.
والتعبير بقوله: (فاصنع) ولم يقل فافعل، أو فاعمل ـ مثلاً ـ لأن العمل أو الفعل قد يكون بإتقان وقد يكون بغير إتقان: ولكن (الصنع) لا يكون إلا للعمل المتقن.
5 ــ الخطاب في قوله: (إذ لم تستح فاصنع ما شئت) للعموم أي: إن الخطاب عام يشمل كل من يتأتى منه الاستحياء. والصنع، والمشيئة: فالخطاب عام لجميع الناس.
6 ــ وفي الحديث الشريف من البديع ما يسميه البلاغيون: تشابه الأطراف؛ وهو: ختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى لأن أول العبارة (إذا لم تستح) وآخره هو الإباحة بصنع أي شيء، أو التهديد بصنع أي شيء .
