أكد العلماء أن الإسلام له منهج وقائي من الفساد يتمثل في المظهر التربوي والأخلاقي، حيث يربي الإسلام في نفوس معتنقيه أدب الالتزام بتعاليمه، فضلا عن أن الرقابة التي يشعر بها المسلم من أن الله مطلع عليه ولا تخفى عليه خافية تجعله أكثر خشية من عقابه حال إساءة التصرف في المال المسؤول عنه.
وأكد العلماء أن مكافحة الفساد جاءت في أولويات الإسلام، مشيرين إلى ان الله لا يحب الفساد ولا يصلح عمل المفسدين.
وحول منهج الإسلام في مواجهة الفساد والمفسدين في الأرض.. طرحت «البيان» على علماء الإسلام وخبراء الاقتصاد الإسلامي عددا من الأسئلة.. والتفاصيل عبر السطور التالية.
ويبدأ د. عادل يعقوب الخبير بمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي حديثه بالتركيز على ما أسماه «الفساد الاقتصادي» المنتشر على حد تعبيره، في بعض الدول العربية.. موضحا أن هذا الفساد يعنى التركيز أثناء الممارسة الاقتصادية على جانب واحد من جوانب الحياة الإنسانية وإهمال الجوانب الأخرى عملاً وإنتاجاً وتوزيعاً، وكذلك عدم الالتزام الكامل بالأحكام التشريعية المنظمة لتحصيل المال وكيفية تنميته، وعدم أداء الحقوق الواجبة في المال وإساءة التصرف فيه بما يضر بمصالح النظام الاقتصادي السليم.
وفيما يتعلق بأصحاب النفوس الضعيفة ممن يمارسون أنواعا عديدة من الفساد على رأسها إساءة استخدام السلطة والغش في الأسواق المالية والاحتكار، وهي من أنواع الفساد التي انتشرت في العصر الحديث، أشار خبير الاقتصاد الإسلامي أن الإسلام وضع رقابة خارجية لمواجهة كل أنواع الفساد، وقال: في الماضي كانت هذه الرقابة تعرف باسم «الحسبة» أما حاليا فهي تتمثل في الأجهزة الرقابية مثل النيابة الإدارية والجهاز المركزي والمجالس البرلمانية إذا كانت منتخبة والنقابات وأي تجمعات لها حقوق رقابية.
لكن د. يعقوب يرى أن أهم وسائل الرقابة الخارجية التي وضعها الإسلام هي المقاطعة، أي مقاطعة من كسبوا أموالهم من الحرام وعدم التعامل معهم وهذا يتفق مع أحكام الفقه التي تنص على أن مستغرق الذمة الذي كان ماله من حرام تمنع معاملته ويمنع من التصرف المالي به.
وأشار إلى أن الاحتكار، على سبيل المثال، له حكم شرعي، فهو محظور شرعاً لأنه يلحق الضرر بالناس ويضيّق عليهم؛ لذا على ولي الأمر أن يجبر المحتكر على بيع المنتج بسعر السوق ثم تعزير المحتكر، وهو ما يعني تأديب ولي الأمر للفاسدين دون إقامة الحدود فيكتفي بمصادرة الأموال أو السجن وغيرهما من وسائل العقاب.
وعن أسباب استشراء الفساد في العصر الحديث، يقول خبير الاقتصاد الإسلامي إن النظام السياسي في الدولة عندما يتخبط ويتناقض ويعمل على كبت الحريات يحدث توتر في الاقتصاد مما ينتج ضعفا في الدخول فيلجأ صغار الموظفين لتقاضي الرشوة وينتشر الفقر، مشيراً في هذا الصدد إلى قول الإمام على بن أبي طالب «لو كان الفقر رجلا لقتلتهلالا، وكذلك عمر بن الخطاب الذي كان يرى أن الفقر هو سبب كل الكوارث في المجتمع ولذا لم يطبق الحدود في عصر المجاعة.
وحول أكثر مظاهر الفساد انتشارا في الوقت الراهن، تابع قائلاً: مظاهر الفساد في المجتمعات العربية كثيرة، منها فساد البورصات، حيث هناك الكثيرون ممن يتلاعبون بالأسعار فيخسر البسطاء، وهناك ظاهرة الحصول على القروض من البنوك بضمان السمعة فقط.
حاكم عادل
إلى هنا، يرى د. نصر فريد واصل، مفتى مصر السابق، أن الفساد يستشري في الدول التي تفتقد لحاكم عادل يحاسب كل من يرتكب إثما ويفعّل القانون على الجميع سواسية ويختار أصحاب الكفاءة وليس أصحاب الثقة، مشيراً إلى أن الحاكم العادل مبدأ أصيل في المنهج الإسلامي، حيث كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يخطب في الناس قائلاً: «أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم» فقام رجل وقال «لئن وجدنا فيك اعوجاجا لقوّمناك بسيوفنا» فقال عمر: «الحمد الله الذي جعل في أمة محمد من يقوّم اعوجاج عمر».
أضاف إن مكافحة الفساد جاءت في أولويات الإسلام، فالله لا يحب الفساد ولا يصلح عمل المفسدين، وقد تشدد في معاقبته فقال تعالى «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس» وقال تعالى «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون». وقال تعالى «وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين».
وأوضح واصل أن صور الفساد كثيرة منها استغلال الحاجة وخيانة الأمانة في المعاملات المالية والتعدي على لوازم العمل وكذلك عدم الانضباط والغش والتدليس والغبن والبخس والمعاملات الوهمية والرشوة.
وتابع قائلاً: إن أحكام الشريعة الإسلامية ليست في الصلاة والصوم فقط بل تشمل العدالة والمساواة وإلزام الحاكم بأن يضمن للمحكوم حرية العيش والسكن والدابة، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول «كلكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته».
فساد قلوب الناس
ويتفق مع الرأي السابق د. أحمد محمود كريمة، أستاذ الفقه المقارن قائلاً: إن الفساد ذكر في 13 موضعا في القرآن الكريم، فقال تعالى «وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قال إنما نحن مصلحون»، وقوله «والله يعلم المفسد من المصلح» وكذلك «ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين»، وأيضا قوله «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد».
أضاف أستاذ الشريعة أن انتشار الفساد في المجتمعات ثمرة مرة لفساد قلوب الناس وعقائدهم وسوء أعمالهم، وقال إن الله أمر الناس بإصلاح الأرض وحذر الرسل أقوامهم من المضي بالفساد فقد جاء على لسان صالح عليه السلام «ولا تعثوا في الأرض مفسدين» وعلى لسان شعيب «فأوفوا الكيل والميزان» واختتم كريمة قائلاً: إن عدم الالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في مجال المعاملات الاقتصادية سبب تفشي الفساد، فالراعي إذا صلح صلحت الرعية.
