أكد ماهر سقا أميني الباحث الإسلامي والناشر أن العلم هو محاولة لتنظيم المعلومات والمعارف والتحقق منها ومن إمكانية استثمارها أو تحققها في الواقع وبين الأفراد، مؤكداً أن الدين هو وجود المقدس في حياة الناس ومعلوماتهم وعقائدهم عن هذا الدين وأثره على حياتهم الفردية والجماعية. وأوضح أن الوحي متعال لأنه من الله عز وجل، وإنما الفهم البشري له محدود، ومشددا على ضرورة التعلم من الواقع والتاريخ حتى لا يتحول القول الديني إلى إملاء من طرف واحد.
وكان معه هذا الحوار حول الفلسفة والدين:
ما أهمية الطرح الفلسفي والعلمي المتصل بالدين؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من تحديدات لمعاني الفلسفة والعلم والدين، وقبل التفصيل يمكن القول بأن المجالات الثلاثة تتضمن جانبا معرفيا، ويمكن القول بأن الفلسفة هي جهد عقلي يحاول أن يجيب عن الأسئلة ويرجح بين الافتراضات المختلفة للعقل البشري، ولعل ما يسمى الفلسفة بأنها تعنى بالكليات أكثر من عنايتها بالجزئيات والأفراد، وأن العلم هو محاولة تنظيم المعلومات والمعارف والتحقق منها ومن إمكانية استثمارها أو تحققها في الواقع وبين الأفراد، أما الدين فهو وجود المقدس في حياة الناس ومعلوماتهم وعقائدهم عنه وأثره على حياتهم الفردية والجماعية، ليست هذه تعريفات دقيقة وإنما قصدت التمييز بين هذه المجالات ومعارفها، ويمكن القول هنا بأن من شأن الفلسفة والعلم أن يبحثا في الظاهرة الدينية ليقررا مدى جدارتها ومشروعيتها وحجم تأثيراتها على الواقع.
فلسفة الحداثة
ولكن هل يعني هذا أنك تجعل من الفلسفة والعلم حكما على الدين؟
لعل هذا السؤال يحمل تحيزا واضحا ضد الفلسفة والعلم يعود إلى المنجز منهما في الغرب حتى الآن بل وفي التاريخ الإسلامي أيضا، لنتحدث عن الفلسفة والعلم بالمطلق، ألم يشترط الإسلام الاعتقاد القانع دون تقليد؟ ألم يأخذ على من ورث معتقده عن أبويه دون أن يعمل عقله؟ الفلسفة والعلم هما أداتا العصر وربما العصور السابقة في بناء المعرفة والاعتقاد الصحيح، وإذا كان المنجز من الفلسفة والعلم في زماننا بسبب ظروف نشأتهما الغربية يحمل كثيرا من التحيز ضد الدين فان هذا قد ينطبق على مايسمى بفلسفة الحداثة ومابعد الحداثة الغربية، وبعلم القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، أما علم القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين فان له رأيا آخر فيما يتصل بالمسألة الدينية، وهنا لا بد من المساهمة في الحركة الفلسفية والعلمية العالمية من قبل المسلمين بدلا من الانكفاء على النفس واجترار مساهمات علماء الكلام الأسبقين دون محاولة قراءة ما توصل اليه العقل البشري من معارف خلال أكثر من ألف عام.
المهمات الدينية
السؤال الثالث:ان حثك على مساهمة المسلمين في الحركة الفلسفية والعلمية يعني محاولة تسخير الفكر الفلسفي والعلمي لإثبات المسلمات الدينية، انكم هنا تنطلقون من الايمان لتثبتوا مقتضياته فلسفة وعلما، بينما يفترض أن يكون السؤال الفلسفي والجهد العلمي أكثر موضوعية وتجردا؟
أولا يجب أن نقول بأن الإيمان ليس مجرد تسليم، وأن ما تسميه بالمسلمات الدينية يقوم في جزء منه على ما يمكن تسميته بالحدس، أو الادراك الكلي، أو المعرفة الكاملة، «برغسون» يسمي هذا النوع بالبداهة ويقول إنها ليست إلا ضربا عاليا من التفكير، مشكلة المعرفة كما أسست لها العقلانية الأوروبية أنها حسية وفكرية بالمعنى العقلي الأداتي، بعد إقصاء وحذف المعرفة الروحية والوجدانية، ولعل الغزالي يمثل ذروة من ذرى التكامل المعرفي الحسي والعقلي والروحي، وحتى النبوي والكشفي، من هنا يمكن القول بأن الإيمان فيه جزء كبير من الشهود، ولعل كلمة الشهود تعبر عن هذا النوع من المعرفة أكثر من البداهة وهو مصطلح أقرب الينا من غيره، للروح شهودها الكلي كما أن للعقل فكره ومعرفته التجزيئية، لا مانع هنا من القول بأن للعقل شهوده الكلي إذا كان هذا يروق لك أكثر، وعندما يتفلسف المسلم أو يمارس العلم فانه بهذا يبحث عن تكامل معرفته كما فعل الغزالي، والنقطة الثانية أن الموضوعية والتجرد في الفلسفة والعلم ليسا أكثر من كذبة كبيرة وهما يحملان الكثير من التحيز الذي تمليه عوامل حضارية ومعرفية وزمنية، يمكن القول هنا إن نظرة إلى ما يمكن تسميته بتاريخ الأفكار والفلسفة والعقائد والعلم تكشف عن هذه التحيزات وعن وظيفية هذه الأفكار في المجتمعات المختلفة، من هنا نرى ضرورة وجود فلسفة وعلم منجزين إسلاميا لا لكي يؤكدا التوجه الديني الذي هو أرسخ من هذا بكثير ولكن لأهمية هذا وظيفيا في المجتمعات الإسلامية أيضا.
السؤال الرابع: ولكن هل هناك علم إسلامي وعلم غير إسلامي؟ ألا يفترض أن العلم أكثر حيادية؟
لقد قلت إنه علم منجز إسلاميا ولم أقل علما إسلاميا، أي علم منجز ضمن التقاليد والأخلاقيات الإسلامية، هناك ما أسميه بالملاط المعرفي الذي يشد أجزاء النسيج المعرفي والفكري في مجتمع ما أو حضارة ما، ألم تكن المادية هي الملاط المعرفي لعلم وفكر أوروبا في القرون الأخيرة؟ يجب أن نؤسس لمعرفة معافاة من المادية والطبيعية والوضعية والعقلانية والأنسنة الأوروبية، وهذا ينعكس على العلم انعكاسه على مختلف أوجه النشاط الفكري الإنساني.
السؤال الخامس: تحدثت عن دورين للفلسفة والعلم فيما يتصل بالدين، تقرير جدارة الدين ودوره في الواقع، أليس في هذا ثقة زائدة بالفلسفة والعلم وإقراراً للواقع بدل الوقوف على مايجب أن يكون؟
قلت جدارة الظاهرة الدينية ووظيفتها، ولم أقل جدارة الدين ووظيفته، الدين كوحي يجب احترامه أكثر من ذلك، ولكن هذه نتيجة يجب أن نصل ونوصل من حولنا إليها وليست مقدمة نبدأ بها، عندما أتحدث عن الظاهرة الدينية فإنني أتحدث عن تظاهر الدين في مجموعات بشرية، والسؤال هو عن جدارة هذه الظاهرة من حيث كونها ضرورة ولأزمة من لوازم الوجود البشري، ومن حيث أصلها ومنشئها وصلتها بالحقيقة والواقع، علماء الأديان أو كثير منهم اليوم يقولون أن المقدس ظهر في كل المجتمعات البشرية وأنه مازال كذلك حتى في المجتمعات العلمانية ولكن بطرق مواربة، وهم لا يكلفون أنفسهم تبرير هذه الملازمة بين الإنسان والديني، أيضاً هناك دور للدين كنسق معرفي وقيمي في المجتمعات الإنسانية لا بد من استقصائه وقياسه، وهناك جدل بين الدين وغيره من الأنساق المعرفية والفكرية والفنية في حياة الناس، يجب هنا أن نقول أن الدين كظاهرة إنسانية أي كتدين وليس كوحي يتأثر بالأنساق المعرفية الأخرى ويؤثر فيها، أما بالنسبة للشطر الثاني من السؤال والذي تقول فيه إننا بهذا نقرأ الواقع واقع التدين وجدارته أكثر مما ننظر في دور الدين كما يجب أن يكون، فغني عن البيان أن قراءة تاريخ التدين عبر البشرية دليل إلى مايجب أن يكون كما هو دليل إلى ماهو كائن، ألم يرو لنا القرآن الكريم قصص الأنبياء مع أقوامهم لنتعلم منها مايجب أن يكون.
