في كل زمان نحتاج إلى خارطة طريق.. والإسلام يضم بين دفتي القرآن خرائط للطريق إلى الله.. خرائط صالحة لكل زمان ومكان.. لكن كيف يمكن الوصول إلى خريطة طريق هذا الزمان في القرآن؟.. هذا ما يقدمه عالم أصول الدين الدكتور عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية السابق بالأزهر.. في كتاب جديد أسماه «رؤية عصرية للإسلام في القرن الـ‬21».

والدكتور عبد المعطي بيومي صال وجال في شتى مناحي العالم الإسلامي.. ودرس كيف يمكن أن قاعدة هنا قد لا تصلح للتطبيق هناك في ضوء اختلاف الظروف في هذه البلد عن تلك.. وفي هذا الزمان عن زمن سابق أو زمن قادم.. وصب بيومي خلاصة تجربته في كتابه الجديد الذي أثرى المكتبة الإسلامية، موضحا قول أئمة الإسلام «أن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان».. وأشار إلى أن مواءمة الإسلام لمختلف الأزمنة والأمكنة سبب رئيسي في تعدد تفاسير القرآن الكريم وتعدد مذاهبه العقدية والفقهية المستنبطة، ووصف اللفظة القرآنية بأنها «كريستالة» تعطي ألوانا عديدة تتعدد وتختلف باختلاف مواقع الرؤية، مشدداً على أن كتابه يأتي تطبيقا عمليا وواعيا لهذه الخاصية من خصائص الإسلام.، فهو يقدم الإسلام برؤية عصرية، ويستظل بالقرآن كأنه نزل لهذا العصر من خلال قراءة عصرية تلتمس الحلول وتواجه المشكلات والتحديات المعاصرة ولا تكتفي بالتقليد والجمود لعصور مضت.

 

مفاتيح فهم القرآن

وحدد الدكتور بيومي ثلاثة أركان لفهم الإسلام في كل عصر، هي متطلبات الاجتهاد، ومنها فهم اللغة العربية وتأويل الألفاظ بما يتطابق مع قواعدها لأنها مفتاح لفهم القرآن، وموافقة هذا الفهم والتأويل للمبادئ والعقائد السماوية، لأنها ضوابط لهذا الفهم، ومن ثم تحري مقاصد الشريعة في تحقيق مصالح العباد بوصفها غاية المجتهد في ضوء قواعد اللغة.

وأشار إلى أن اللغة العربية قدمت للحضارة الإنسانية كثيرا من الأشياء الباهرة عبر تاريخها الطويل، أهمها الأدب الجاهلي شعرا ونثرا، إذ كان هو المظهر الذي تجلت فيه اللغة في قمتها السامية التي بلغت أرقى المستويات، فلم تعد بعدها قمة يمكن أن تصل إليها اللغة البشرية.. وثانيها القرآن الكريم حيث نزل على البيئة العربية التي كانت تقدر الكلمة تقديرا عظيما، موضحا تعدد مصدر إعجاز القرآن، فمنها الإعجاز البياني وأنه منسجم في معانيه ومبادئه، لا يتناقض فيه تعبير مع تعبير آخر، وكذا الإعجاز التشريعي، فالقرآن يتضمن تشريعا محكما لتكوين الفرد والأسرة والمجتمع، وتحديد الحقوق والواجبات ونظام الحكم والسياسة، وأيضا الإعجاز العلمي، إذ من المدهش في القرآن ذلك الإعجاز العلمي الذي لفت أنظار العالم في عصر العلم وتقدمه، وكذلك كانت الأمة الإسلامية عندما تتمثل دينها وتقرأ قرآنها بتدبر، فكانت رائدة الحضارة العلمية والعملية التي علمت العالم وأسهمت في نهضة أوروبا.

 

العقل والوجدان

وتحدث الكتاب عن لغة القرآن موضحا أنها لغة تخاطب العقل والوجدان وسائر ملكات الإنسان، فهي تخاطب العاطفة لبث الإيمان في القلوب، وتستخدم المنطق العقلي لإقامة العقائد الإيمانية على أسس عقلية راسخة، لا تنال منها الشكوك أو تزعزعها الشبهات، وفي الوقت نفسه تعالج أمراض القلوب وتحرر النفس من الخضوع للأهواء الباطلة.. مشددا على أن لغة القرآن في هذه البراهين وفي تقرير العقائد عليها أو الرد على العقائد المخالفة تستخدم أسلوبا مركزا، وجملا قصيرة موجزة، تحتوي على أدلة عقلية بسيطة، ولغة تحرص على دفع الإنسان وحضه على الإيمان والعلم والنظر والعمل، والتحذير من ترك هذه القيم والتفريط فيها، وهي لغة لا تستخدم التخويف والتهديد إنما تجمع الترغيب والترهيب، وهكذا يعتبر الإسلام رسالة متوازنة إلى العالم يدعو الجميع إلى التعايش السلمي وقبول الآخر دون تعصب، يدعوهم إلى مكارم الأخلاق من التسامح والحلم والعدل، ويحقق لهم الحرية والمساواة. ويؤكد الدكتور بيومي أن اللغة العربية «لغة القرآن» تستكمل ما قدمته للحضارة الإنسانية بالحديث النبوي الشريف الذي يعتبر من مآثر لغة الضاد على العالم وتعتبر بنية الحديث اللغوية أقوى البنى بعد القرآن الكريم من حيث كونها مرجعا للقواعد النحوية والبلاغية، والمهمة الرئيسية للحديث النبوي هي بيان القرآن، وتفصيل مجمله وتخصيص عمومه.. موضحا أن الثقافة العربية والإسلامية تعتبر من أهم معطيات اللغة العربية للحضارة والتي تتميز عن غيرها بالوحي والعقل والتعددية والعالمية والشمول والانفتاح على الثقافات الأخرى، والتوازن والوسطية والملائمة لكل زمان ومكان.

 

السياسة في الإسلام

 

ومن عقدة إلى شوكة يتنقل الدكتور عبد المعطي بيومي على أسنة الرماح التي يسنها البعض للإسلام حيث يتطرق في الفصل الثالث إلى الجوانب السياسية في الإسلام، مشددا على أن الإيمان هو هوية الأمة الإسلامية، واندماج المسلم بغيره من الأمم مشروط بالحفاظ على هذه الهوية، ويندمج بعد ذلك مع ما عداها، مؤكداً أن الأمم جميعا متفقة على الحفاظ على الهوية الأساسية والاندماج فيما هو مشترك بين الأمم من سلوك وعادات في حرية دينية مقررة، كما تطرق إلى العديد من القضايا من الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، موضحا أن السلطة في الإسلام حق للأمة، مع تأكيد استقلال القضاء، وأكد أن دعائم الحكم في النظام الإسلامي هي الحرية والمساواة والعدالة والشورى.

ويتوقف الدكتور بيومي في الفصل الرابع من الكتاب عند موقف الإسلام من المجتمع الدولي حيث جاء الفصل تحت عنوان «الإسلام والنظام الدولي» موضحا أن الإسلام يدعو إلى السلام والتعايش السلمي، وتناول حقيقة الجهاد في الإسلام، ومظاهر الرحمة في الجهاد، والمعاهدات الدولية وانتشار الإسلام بالحب لا بالحرب.