الصوفية كما يقول ابن تيمية لفظ لم يكن مشهوراً في القرون الثلاثة الأولى إنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل وغيره وقد أدرك الحسن البصرى جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: رأيت صوفياً فأعطيته شيئاً فلم يأخذه.

وقال ابن القيم: إن التصوف مبنى على الإرادة وهى حركة القلب ولهذا سمى علم الباطن.

قال ابن أبى الحديد: «ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون وقد صرح بذلك الشلبي والجنيدي وأبو زيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم».

والتصوف في ذاته ثورة من ثورات الضمير تدفع الإنسان إلى محاولة الكشف عن الذات لتملأ القلب وتنقيه وتصرفه عن الشواغل، وقد ادعى فريق من الباحثين أن الصوفية نسبة إلى أهل الصفة وهم جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هاجروا إلى المدينة فلم يجدوا مكاناً يجمعهم فاجتمعوا في الصفة وهو الموضع الظليل في المسجد. والمتصوفون قوم اثروا الإلهام على العلم فهم لا يؤمنون بالنظريات والأدلة والبراهين بل بجهاد النفس والطاعة والإخلاص والإيمان وهى أمور تنشأ عنها صفات وأصول لها نتائج وثمرات ترقى إلى مقام التوحيد والعرفان. والمقام هو مقام العبد فيما يقام فيه من العبادات والرياضيات والانقطاع إلى الله عز وجل. والصوفية فناء أكيد في الذات وسمو في المعرفة وخلوص في المادة وارتقاء في معرج القرب. فالمسلم يقرأ خلاصة العلم الذي يعلمه دارس الحكمة حينما يقرأ قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

ويقرأ قوله تعالى: (ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين) فيعلم أن الفرار إلى الله هو باب النجاة.

والمتصوف حينما يقرأ (الله نور السموات والأرض) (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم). فلا يزيد المتصوف إلا هذا التفسير حين يقولون إن الوجود الحقيقى هو وجود الله وأنه أقرب إلى الإنسان من نفسه لأنه قائم في كل مكان ويصلى له كل كائن.

ومن القرآن الكريم يعلم المسلم الخلاف بين عالم الظاهر وعالم الباطن أو عالم الحقيقة وعالم الشريعة لأنه يقرأ مثلاً واضحاً لهذا الخلاف فيما كان بين الخضر وموسى عليهما السلام من خلاف (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً قال: إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً قال: ستجدنى إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا».

فالمسلم الذي يقرأ هذه الآيات وهو مطبوع على التصوف والبحث عن خفايا الآثار ودقائق الحكمة يجد فيها عناء من الأصول الصوفية ولا يفوته إذا اكتفى بها أن ينشئ منها مدرسة صوفية إسلامية تلتقى بالمدارس الأخرى في كثير وتنفصل عنها في كثير ولكنها لا تنعزل عن لباب التصوف بالطبع والفطرة كما يرى بعض المعقبين على الصوفية الإسلامية التي يستمدها المسلم من الدين.

ولكن القرآن حين يفتح للمسلم أبواب الحياة الروحية يحرم عليه أن يوصد بيديه أبواب الحياة الجسدية وينهاه أن يترك العمل لينقطع عن الدنيا وينسى نصيبه منها.

فالحياة الروحية في الإسلام تجرى على سنن القصد الصالح للحياة البشرية لا استغراق في الجسد ولا انقطاع عنه في سبيل الآخرة وإذا كان الإسلام قد عرف أناساً من النساك الذين تفرغوا للمطالب الروحية فإنما كان ذلك سنة التخصص في كل مطلب من مطالب الحياة الإنسانية ولم يكن من قبيل الإلغاء أو التعطيل لمطلب من هذه المطالب الضرورية ومما لا جدال فيه أن نوازع الجسد تحجب الفكر عن بعض الحقائق الاجتماعية فضلاً عن الحقائق الكونية المصفاة.