قال الشيخ: ذكرت أنه مما يجعل التوبة والهمة على الأعمال الصالحة ضرورة اليوم قبل الغد والساعة قبل التالية سببان ملحان، الأول هو أن الموت قد لا ينتظر صاحب الذنب والتقصير فيرحل قبل أن يستعد للقاء الله عز وجل، وتلك كافية وحدها، لأن المرء منا يرى الموت كل يوم وهو يأخذ من حوله دون سابق إنذار أو إخبار، والثاني أن من يؤجل التوبة والعمل الصالح يفترض أنه سيكون غداً أقرب إلى الله بقلبه وعقله، مع أن الحياة مع التقصير والمعصية لا تزيد المرء إلا بعداً وقسوة في القلب وجرأة على المحارم، ثم ان المرء منا يؤجل طمعاً في ألا يحرم نفسه من متاع الدنيا الحرام مع طمع في الجنة والنجاة، ولو علم الواحد منا أن باب التوبة والقبول سيقفل في آخر نهاره لما قعد عن اللحاق بركب الفائزين، فنحن إنما نطمع بكرم الكريم في ألا نخسر شيئاً من الرذائل ما دام باب التوبة مفتوحاً وتلك لعمري قلة أدب لا تليق بالمؤمن مع ربه نسأل الله العافية.
والذي يؤجل ويسوف انما يفضل لذة أو كسباً حاضراً على نجاة وفوز مؤجلين، مع أن كل الحقائق والتجارب تشير إلى أن هذه اللذة عارضة وزائلة وأن الباقي والخالد هو الفوز والنجاة، ولا يؤجل الا من كانت حقائق الإيمان غير مستقرة في قلبه يقيناً، وتلك قضية خطيرة لأن أخطر ما يقابل به المرء ربه عقيدة غير راسخة وإيمان غير ثابت، وفي ظني أنه لابد من المسارعة إلى تصحيح الإيمان وترميم العقيدة وتحقيق اليقين، ففي ذلك العلاج الشافي لأمراض البعد عن الله تعالى والإعراض عنه.
الاحساس بالذنب
واذا كان نقص اليقين سبباً في الإهمال والعصيان فإن العكس صحيح أيضاً وهو خطير، فالبعد عن الله والخوض في المعاصي كثيراً ما ينعكس على صاحبه بأفكار وعقائد تحاول أن تبرر لنفسه ولمن حوله ما يفعله من سوء، إذ إن النفس الإنسانية تأبى أن تجمع بين العصيان والخمول من جهة والعقيدة الصحيحة التي تعني استغلال الأعمار والأوقات في مرضاة الله عز وجل والحياة بما يليق بالمؤمن العارف لقدر الله ونعمه وشرعه، ان كثيرا من الأفكار التي يحاجج بها المتنطعون ما هي إلا أهواء مقنعة لم يحتمل أصحابها أن يعيشوا مع ذنوبهم في صحو ويقظة فراحوا يخدرون أنفسهم ويبررون لمن حولهم بأفكار مارقة عن الدين تخفف عندهم الإحساس بالذنب أو تميته، وهذا يعني أن من شرور المعاصي والتقصير التباس في العقائد وزيغ عن الحقائق، فكيف بمن يمعن في المعصية اليوم ويتوقع أن يكون غدا متحققا بالعقيدة الصحيحة والأعمال الصالحة، ان خطر العصيان على العقيدة يستحق أن يتوقف عنده قليلا لأن أكثر المقصرين العاصين انما يقولون في أنفسهم: ان هي إلا معاص وسنقلع عنها فيغفرها لنا الله عز وجل، دون أن يتصوروا أن من شأن هذه المعاصي أن تزلزل إيمانهم فيلقون الله عز وجل بما لا يغفره أبدا، ألم تر إلى البعض ممن ساقه هواه إلى أن يعترض على أحكام الله وشرعه فيعطل بعضها وينسخ بعضها تحت ذريعة تطور الزمان وتغير المكان ؟والبعض الآخر ساقته أهواؤه إلى تغليب الشك بالمعاد والبعث مائلا إلى أن لا يحاسب عما تقترفه يداه؟
ثم ان القول بأنها مجرد معاص سيغفرها الله وتنتهي المشكلة فيه من الأغاليط والأكاذيب على النفس ما هو غريب وعجيب، فالاستخفاف بالعصيان أمر لا تقره العقول مع ما جاء من وعيد وتهديد، وتغليب الظن بالمغفرة أمر فيه كثير من التجاوز والاعتباط لأن الله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وليس من شأن العاصي والمقصر أن يتوقع المغفرة الأكيدة حتى ولو أمهله الموت، هذا ان افترضنا أنه مع تقصيره وعصيانه سينقلب يوما ليكون من عباد الله الصالحين.
ما الذي سيخسره الواحد منا لو تاب في ساعته وعاهد الله على الاستقامة والعيش بما يرضيه؟ لذات رخيصة ومكاسب خبيثة قد تفضح في الدنيا قبل الآخرة؟ إن الله عز وجل وعد من أقلع عن شيء من هواه له أن يبدله خيراً منه، ويكفي ما في الاستقامة من فرح يقذفه الله في القلوب مما لا يمكن تحصيله بكل متاع الدنيا.
