يقول الله سبحانه وتعالى: «إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون»، حينما يذكر الإنسان ربه يشعر براحة نفسية تسيطر على حواسه وبقوة تامة تملأ جوانبه ويتلمس نوراً يضيء له كل ما حوله ويسبح بفكره إلى عالم علوي يسلب لبه ويجذب إليه روحه ويشعر أنه انتقل من عالم المحسات إلى عالم المغيبات ويتخيل تلك اللحظة الرهيبة التي عاشها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في ضيافة رب العزة ليلة المعراج وقد تجلى بأنواره القدسية فخر ساجداً خاشعاً يسبح ربه قد اضطرب فؤاده واهتزت جوارحه رغبة ورهبة وما رفع رأسه من سجوده إلا بعد أن سمع نداء سمعه واهتزت له جوارحه (أرفع رأسك وسل تعط).
وما كان له أن يبلغ هذه المنزلة لولا فيض الله برحمته وإعزازه لنبيه وترحيبه بحبيبه وتأييده لصفيه ورسوله.
طريق الخير
والإنسان في كل زمان ومكان جبار عنيد فإذا ما جاء نور من ربه يأخذ بيده إلى طريق الخير أطفأه باليد الأخرى.يميل إلى الجدال والمعارضة (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً)
هكذا شأن المجادلين المكابرين لا يميلون إلى الاعتراف بسهولة ولا يحبون الانصياع لما تجيء به الرسل ويجدون في ذلك ذلة لهم ومهانة إذ كيف يستسلمون لرجل مثلهم من جنس البشر الذي يأكل ويشرب كما يأكلون ويشربون ، يريدون رؤية ملك يسير في صحبة الرسول يصدق كل كلمة يقولها ويستمعون لحديثه وتأييده وحينئذ يستجيبون لدعوته وأنى يستجيبون وهم المتعنتون !
لقد جادلوا كثيراً في وجود الله ودفعهم الجدال إلى إنكار وجوده وأشبهوا الدهريين في آرائهم. «وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون». فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أن تزعم أن الله تعالى أرسلك. قال: صدق، قال: فمن خلق السماء ؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض ؟ قال: الله ؟ قال: فمن نصب هذه الجبال ؟ وجعل فيها ما جعل ؟ قال: الله: قال: فبالله الذى خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال ؟ الله أرسلك؟ قال: نعم قال وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات فى يومنا وليلنا قال: صدق قال فبالذى أرسلك الله تعالى أمرك بهذا ؟ قال: نعم ؟ ثم ذكر الزكاة ثم الصيام ثم الحج كذلك والرسول ؟ صلى الله عليه وسلم يقول عند كل سؤال: صدق فيقول فبالذى أرسلك الله أمرك بهذا ؟ فيقول: نعم ثم ولى مدبراً وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن فقال النبى صلى الله عليه وسلم (لئن صدق ليدخلن الجنة).
وكذلك من شأن الإنسان إذا نزل به مكروه أو حل به بلاء لا يستطيع مقاومته ؟ أن يتحرك فى وجدانه شعور قوى بالتوجه إلى قوة عليا يعتقد أن فى مقدورها إزالة هذا الضرر عنه وعندئذ يتجه إلى القوة بالرجاء فتكشف عنه ما نزل به أو تيسر له الصبر فهو الله القادر على كل شيء.