(شيء يملكه أسمى من طبيعة البشر.. فقد كانت رسالة هذا الرجل تنبعث من فطرة قلبه وروحه ولهذا يجب أن يستمع ويعمل الرجال وليس لأي شيء آخر فكل شيء غير ذلك إنما هو هباءً تذروه الرياح).
هكذا وصف المستشرق والباحث الغربي كارلايل محمدا صلى الله عليه وسلم في كتاب «الأبطال» وبأنه «كان واحداً من هؤلاء الذين لا يستطيعون إلا أن يكونوا في جد دائماً، هؤلاء الذين جبلت طبيعتهم على الإخلاص، فلم يقم هذا الرجل بإحاطة نفسه داخل إطار من الأقوال والصفات الطيبة ولكنه تفرد مع روحه ومع حقيقة الأشياء يستمد منها ما نطلق عليه الإخلاص.
يقول «مايكل هارت» في كتابه «العظماء مائة وأعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم» عن سبب اختياره لمحمد وكونه الأعظم فقال: (إن اختياري لمحمد ليقود قائمة أكثر أشخاص العالم تأثيراً في البشرية قد يدهش بعض القراء وقد يعترض عليه البعض، ولكنه كان (أي محمد) الرجل الوحيد في التاريخ الذي حقق نجاحاً بارزاً في كل من المستوى الديني والدنيوي).
يقول بارت: «كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة في بوادي وواحات شبه الجزيرة، يعيثون فيها فساداً. حتى أتى محمد (صلى الله عليه وسلم) ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد، خالق بارئ، وجمعهم في كيان واحد متجانس».
وقال إدوار بروي وهو باحث فرنسي معاصر، وأستاذ في «السوربون»: «جاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، النبي العربي يبشر العرب والناس أجمعين، بدين جديد، ويدعو للقول بالله الواحد الأحد، كانت الشريعة في دعوته لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة، تضبط ليس الأمور الدينية فحسب، بل أيضاً الأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة، والجهاد ضد المشركين، ونشر الدين الحنيف، وعندما قبض النبي صلى الله عليه وسلم، عام 632م، كان قد انتهى من دعوته، كما انتهى من وضع نظام اجتماعي يسمو كثيراً فوق النظام القبلي الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، وصهرهم في وحدة قوية، وهكذا تمت للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة، لم تعرف مثلها من قبل».
وشهد بعظمة اشرف خلق الله أعظم ملوك الروم هرقل، بعد ان جمع معلومات عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وعن أتباعه ودينه، من خلال الاسئلة التي وجهها الى أبي سفيان ومن معه عن طريق الترجمان، حيث قال: «فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين».
إن الاحتفال الحقيقي بميلاد النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، ليس بمآذن نشعلها بالكهرباء، ولا بأعلام نرفعها على رؤوس البناء ولا موسيقا نعزفها على أمواج الأثير والهواء فحسب بل إن تمام الاحتفال وحقيقته أن نعمل قادة وشعوباً، وشباباً وشيباً، على إحياء دينه، على دراسة منهاجه وآدابه وسيرته، وعلى اتباع طريقته في السياسة والاجتماع، في التعليم والاقتصاد، في العدالة والرحمة والإنسانية.
إن حقيقة الاحتفال بهذا الحدث الكبير أن نعمل جميعاً على تطهير مجتمعنا من رواسب سموم بثها المرجفون فينا.. في العقول والنفوس، فأفسدوا في بعضنا الأخلاق والأعمال، وأوهنوا الروابط الاجتماعية بين الكثير من الناس.
علينا أن نعمل جميعاً على تهيئة جيل .