تحت عنوان «دعوة الإسلام .. بنبض الحقيقة وروح الحياة»، أصدر الباحث حسين طلب كتابه، عن دار بورصة الكتب للنشر والتوزيع بالقاهرة، وعلى الرغم من أنه الكتاب الأول للمؤلف، فإنه تميز بعدة أمور منها أسلوبه الجديد في الطرح، حيث كتب بأسلوب أدبي سلس، بالإضافة إلى اعتماده منهج التحليل المنطقي والعقلي والفلسفي للآراء المختلفة التي قيلت ضد أو لصالح الإسلام ورسوله، كما ضم الكتاب أكثر من خمسمائة رأي للمستشرقين على تباين رؤاهم للإسلام.

والكتاب ـ الذي جاء في ‬200 صفحة من القطع الكبير ـ قدمه المؤلف بعبارات قال فيها: «عاش الناس بالإسلام أفضل عيش، وتنعموا بأتم نعمة، ورقوا أنفسهم كل الرقي، فنالوا كل الفضل، وعبروا بأنفسهم من الضلال والتيه إلى السمو والرفعة، وبقلوبهم من دنس الحقد والجحود إلى ساحة المودة والخيرية، فكانوا وسينالون أكثر من ذلك بالإسلام.. ذلك أنه دين يمحو تلوث النفوس من الكفر والطغيان، دين الإيجابية والعمل والإخلاص، وليس دين البلادة والكسل والخنوع». وفيما ضم الكتاب أربعة أبواب، جاء الأول تحت عنوان «المكان، الزمان، الدعوة»، أشار الكاتب إلى أن رسالة الإسلام جاءت لتقويم الأخلاق بعدما استشرى الفساد شرقاً وغرباً، وتزايد الانحلال بشكل ينذر بالخطر، فيقول: «علينا أن نعي أن الحضارات تقوم حينما يكون مجموع الذين يعرفون قيمة الإنسانية ومعناها أكبر بكثير من الذين لا يعرفون، فمتى توفرت المعرفة الإنسانية قامت الحضارة، ودليل ذلك أنه لا حضارة بلا عدل، ولا حضارة بغير الحق، وتنهار الحضارات حينما يكون مجموع الذين يعرفون قيمة الإنسانية ومعناها أقل بكثير من الذين لا يعرفون، وبانهيار الحضارات يكون البلاء على أصحابها وعلى غيرهم».

 

انهيار الحضارات

ويتطرق إلى أسباب انهيار الحضارات، موضحا أن كثيرا من الكتَّاب عنوا بالبحث عن سبب انهيار روما، وأرجعوا ذلك إلى أنها بدأت تنفك ابتداء من القرن الثالث، وهي المرحلة التي يشير إليها كثير من المؤرخين باسم «اضمحلال روما»، ويرجعون سبب انهيار حضارتها إلى التحلل الأخلاقي العام.

وفي مبحث آخر يقدم المؤلف رأي المستشرق الفرنسي «جولان لابوم» الذي وصف الحالة العامة للأرض قبل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: «والخلاصة أن جو العالم الأرضي كان مكفهراً بسبب الاضطرابات الوحشية في كل مكان، وكان اعتماد الناس على وسائل الشر أكثر من اعتمادهم على وسائل الخير، ولولا شعاع ضئيل من الحكمة كان يتألق في بعض جوامع الكهنة ويعطي المبادئ الفلسفية التي كانت بمعزل عن أعاصير تلك المثالب، وانتقلت من روح إلى روح بواسطة بعض أصحاب الجرأة من رسل الرقي- لكانت البربرية أسرع خطى، منقادة بغطرسة زعماء البهيمية، ولاستحالت الحياة إلى وحشية محضة». وأوضح أن الأحوال الحالكة استمرت هكذا حتى ولد النبي محمد بن عبدالله في ‬29 أغسطس ‬570 ميلاديا.

 

الحضارة الإسلامية

ويذكر المؤلف أن للشريعة الإسلامية في الحلال والحرام طرقا ومنافذ دخلت منها للناس وشدتهم إليها، بطريق سالك ميسر، ووقف غير المسلمين من ذلك حائرين من قوة تأثيرها.. وكيف تهتم بالأخلاق كل اهتمام.. وفي ذلك استحضر قول الكاتب «آدم متز» في كتابه «نهضة الإسلام: «إن ما يميز الحضارة الإسلامية عن أوروبا النصرانية في القرون الوسطى أن الأولى يسكنها عدد كبير من معتنقي الأديان الأخرى، وظلت الكنائس وبيوع أهل الذمة تتم في مناخ من الحرية في دولة الإسلام، وقضت الضرورة أن يعيش اليهود والنصارى بجانب المسلمين، فأعان ذلك على خلق جو من التسامح لم تعرفه أوروبا في القرون الوسطى».. وأضاف: «كان اليهودي أو النصراني حراً في أن يظل على دينه، بينما كان في المملكة البيزنطية عقاب من أسلم القتل، وتعدت دعوة الإسلام الاعتراف بالآخر إلى الاتصال به بأسمى صلة بين البشر الزواج والتناسل، حيث أحل الإسلام للرجل المسلم أن يتزوج كتابية وإن ظلت على دينها».

وأشاد أيضا بمستوى الحرية الدينية في ظل الدولة الإسلامية قائلا: «لم تكن الحكومة الإسلامية تتدخل في الشعائر الدينية لأهل الذمة، بل كان يبلغ من بعض الخلفاء أن يحضر مواكبهم وأعيادهم ويأمر بصيانتهم، وكانت الحكومة في حالات انحباس المطر، تأمر بتنظيم مواكب يسير فيها النصارى وعلى رأسهم الأسقف واليهود يتقدمهم النافخون بالأبواق».

 

رسول الإنسانية

وفي الباب الثاني، تناول المؤلف شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأخلاقه ومعاملاته التي كانت نبراسا يُهتدى به في الدنيا والآخرة، ومُثلا يحتذى بها في الوفاء والصبر والديمقراطية والدعوة والحرب والفضيلة، وفي نهاية هذا الباب استعرض مقولة «مايكل هارت» في كتابه «الخالدون مائة أعظمهم محمدس:سلقد اخترت محمداً في أول هذه المائة ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعهم حق في ذلك، لكن محمداً هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي، وقد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدا سياسياً وعسكريا ودينيا، وبعد ‬14 قرناً من وفاته فإن أثر محمد عليه الصلاة والسلام لا يزال قوياً متجدداً».

ويؤكد المؤلف أن المغرضين طرقوا باباً في النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما كان باب دعوته ومنهاجه، إنما كان باب شخصه، فجاروا عليه بما لم يكن فيه، فهو عندهم المزواج القتال المناهض للآداب والفنون والثقافة، لكنه أوضح أيضا أن من بني جنس هؤلاء المغرضين من وقف على الحق وصدع به، وفي هذا يقول «هـ. ج. ويلز»: إن من أدمغ الأدلة على صدق محمد كون أهله وأقرب الناس إليه يؤمنون به، فقد كانوا مطلعين على أسراره ولو شكوا في صدقه لما آمنوا به. ويقول القانوني الفرنسي «مارسيل بوازار»: «لم يكن النبي محمد على الصعيد التاريخي مبشراً بدين فحسب، بل كان كذلك مؤسسا لإمبراطورية سياسية غيرت مجرى التاريخ، وأثرت في تطور الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق». وينتقل إلى قول المستشرق البريطاني «توماس أرنولد»: «أثبتت معاملة الرسول لأهل الذمة أن الإسلام دين التسامح الذي يحرص على حقوق الإنسان».

 

آراء المستشرقين

ويتناول المؤلف آراء المستشرقين حول القرآن الكريم في الباب الثالث من كتابه، منوها بمقولة الفرنسي «جول لابوم»: «أيها الناس دققوا في القرآن حتى تظهر لكم حقائقه، فكل هذه العلوم والفنون التي اكتسبها العرب، وكل الصروح التي شيدوها إنما أساسها القرآن الكريم، وينبغي على أهل الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم أن ينظروا بعين الإنصاف إلى ما في العالم، ويطالعوا صحيفة العلوم والمعارف قبل الإسلام، ليعلموا أن العلم والمعرفة لم ينتقلا إلى أهل الأرض إلا عبر المسلمين، الذين استوحوا هذه العلوم والمعارف من القرآن كأنه بحر من المعارف تتفرع منه الأنهار، والقرآن لا يزال حياً، وكل فرد قادر على أن يستقي منه حسب إدراكه واستعداده».

كما تعرض لشهادة الفيلسوف الفرنسي فرانسوا فولتير: «أنا على يقين أنه لو تم عرض القرآن والإنجيل على شخص غير متدين لاختار القرآن، إذ إن الكتاب الذي نزل على محمد يعرض في ظاهره أفكاراً تنطبق وبالمقدار اللازم مع الأسس العقلية، ولعله لم يوضع قانون كامل في الطلاق مثل الذي وضعه القرآن».