يقول الله عز وجل: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). فالنداء يصف الإيمان الذي هو أساس الخير ومنبع الفضائل وذكر التقوى آخراً، وهو روح الإيمان إرشاد قوي ودلالة واضحة على أن الصوم المطلوب ليس هو مجرد الإمساك عن الطعام والشراب وإنما هو الإمساك عن كل ما ينافي الإيمان ولا يتفق مع فضيلة التقوى.

والسؤال الذي يتردد ويفرض نفسه هل الصوم المطلوب هو الإمساك عن الطعام والشراب كما يظن كثير من الناس؟

فالذي يتجه إلى غير الله بالرجاء لا صوم له والذي يفكر في الخطايا ويشتغل بتدبير الفتن والمكائد لا صوم والذي يطوي قلبه على الحقد والحسد أو العمل على تفريق الجماعة لا صوم له والذي يحابي الظالمين ويجامل السفهاء لا صوم له والذي يمد يده أو لسانه أو جوارحه بالإيذاء لعباد الله أو إلى انتهاك حرمات الله لا صوم له والذي يأكل أموال الناس برشوة أو اختلاس أو خلو رجل أو باستغلال الظروف أو بإخفاء السلع أو رفع أسعارها لا صوم له، والرئيس الذي يستبد بمرؤوسيه لا صوم له.

هذا هو معنى الصوم صورته الإمساك عن المفطرات ومعناه تقوية روح الإيمان بالمراقبة.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول «من لا يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» وعلينا أن نتذكر دائماً قول الله تعالى: «إنما يتقبل الله من المتقين».

بهذا تتحقق حكمة الله في التعبد بالصوم فيه يزكو القلب وتصفو النفس وتتهذب الروح ويصير الإنسان منبعاً فياضاً للخير على نفسه وعلى مجتمعه ــ وبهذا من الملأ الأعلى.

وقال الإمام الغزالي : إن الصوم ثلاث درجات ــ صوم العموم- وصوم الخصوص ــ وصوم خصوص الخصوص.

أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة ــ وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام ــ وأما صوم خصوص الخصوص : فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية.

ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين. فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا. وصوم الخصوص الذي هو كف الجوارح إنما يأتي بغض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل ففي الأثر «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ــ لعنه الله ــ فمن تركها خوفاً من الله آتاه الله عز وجل إيماناً يجد حلاوته في قلبه». وعن بعض السلف خمس يفطرن الصائم : الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظرة بشهوة ومعنى الفطر ضياع الثواب وإن كان الصوم صحيحاً في نظر الفقهاء. وقال أبو حامد الغزالي: «لا يتم صوم الصالحين إلا بعدم الإكثار من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه.. فمن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام فهو عن الملكوت محجوب».