بعد أن دعا القرآن الكريم البشرية للتأمل في خلق الله تبارك وتعالى واصفاً ذلك الخلق بأنه لا تفاوت فيه (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ)؟ (الملك‬3).

ها هو يضع البشرية أمام تحد آخر..

سماء لا حدود لسعتها مرفوعة بلا عمد وأرض مبثوث فيها من أنواع الحياة مستمر لملايين السنين ما يبعث على التعجب بل الذهول.. هذا موجز لأوصاف ما خلق الله تبارك وتعالى والذي جاء في الآية التي سبقت النص أعلاه (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ)؟ (لقمان‬10).

هذه الآية تمثل بحق رائعة من روائع التعبير القرآني ونموذجاً لبلاغته اللغوية بل والعلمية أيضاً.

فببضع كلمات كان التعبير شاملاً لكون هائل السعة وما يضم من مخلوقات حية وغير حية وما يتعلق بتلك المخلوقات من علوم شتى.

ومن عظمة القرآن الكريم أن يجد المتأمل لهذه الآية أنها أتت بتسلسل عجيب لا يأتي به إلا من خلق.. حيث تبتدئ بذكر عملية الخلق الأكثر صعوبة وهي خلق السموات والأرض وهو لا شك أمر عظيم بدليل قوله تعالى (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)؟ (غافر‬57).

ثم تتسلسل الآية في الأدنى فالأدنى صعوبة وصولاً إلى خلق النبات (وأنبتنا فيها من كل زوج كريم)؟ والنبات هو المخلوق الحي الأبسط تعقيداً وتطوراً مقارنة بآلاف الأنواع من الكائنات الحية التي وصفت بأنها تدب على الأرض (وبث فيها من كل دابة)؟ فالنبات يضعه العلماء في أدنى مراتب التطور على السلم الذي يصنفون به الكائنات الحية.

ومع استعراض نتائج القدرة المطلقة لله تبارك وتعالى يأتي نصنا الكريم مدار مقالنا هذا ليتساءل بلغة التحدي (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه)؟ (لقمان ‬11).

وقبل أن نتناول هذا التساؤل بشيء من التعمق لا بد من وقفة متأملة لمعاني (خلق).

يقول ابن منظور في كتابه (لسان العرب) والخَلْقُ في كلام العرب: ابتِداع الشيء على مِثال لم يُسبق إِليه: وكل شيء خلَقه الله فهو مُبْتَدِئه على غير مثال سُبق إِليه: أَلا له الخَلق والأَمر تبارك الله أَحسن الخالقين. قال أَبو بكر بن الأنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين: أَحدهما الإِنْشاء على مثال أَبْدعَه، والآخر التقدير؛ وقال في قوله تعالى: (فتبارك الله أَحسنُ الخالقين)، معناه أَحسن المُقدِّرين؟ انتهى.

وبهذا فإن النص الكريم (هذا خلق الله) فإنه بذلك يضعنا أمام أمرين متلازمين هما:

الأول: الإيجاد من العدم؟ والثاني: تأهيل المخلوق بصفات تضمن له الاستمرار في الوجود من حيث تسوية الخلق وكماله؟ فضلاً عن توازن المخلوقات فيما بينها.

وإذا كان الإيجاد من العدم مقصوراً على الذات الإلهية فأنى للمخلوق أن يكون خالقاً؟

إن كلمة من دونه تشمل كل خالق مفترض إذ في الواقع ليس هناك خالق إلا الله تبارك وتعالى والبقية مخلوقون (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ)؟ (الطور‬35-‬36).

وتساؤل القرآن الكريم هذا تجيب عليه البشرية انطلاقاً من واقع عاشته ألوفاً من السنين: كلا يا رب إنهم لم يخلقوا سماوات ولا أرضاً ولا دابة ولا حتى نباتاً تدوسه أقدامهم!

لقد حلل الإنسان الأنسجة والخلايا النباتية وأصبح واضحاً له مكوناتها ونسبة كل مكون فيها فلم يجد سوى مكونات التربة والماء.

فهل استطاع أن يخلق خلية نباتية واحدة؟

(كلا وألف كلا) هكذا أجاب فطاحل علماء النبات على هذا السؤال مع أن كل مكوناتها متوفرة لديهم!! وهذا بعد أن أحرزوا تقدماً هائلاً في شتى العلوم.

وهنا يطرح تساؤل آخر نفسه: فهل استطاعوا يا ترى أن يخلقوا أحد مكوناتها كالـ (النواة) مثلاً؟؟

لكن التساؤل تنفيه التقنيات الحديثة التي استطاع الإنسان من خلالها أن يعرف مكونات الخلية وبدقة متناهية. لقد وجد العلماء من خلال تلك التقنيات أن لهذه الخلية مواصفات عجيبة تدل على إتقان الصنع الإلهي وتناهي دقته؟ فقد وجدوا أن هناك ‬2500 نوع من أنواع البروتينات في الخلية النباتية الحية الواحدة ولكل منها دوره في التفاعلات الحيوية التي تجريها الخلية.

ترى أي تقدير متقن علمياً أفضى إلى إيجاد كل هذا العدد الهائل من البروتينات في ذلك الحيز الذي لا يرى بالعين المجردة وكيف حددت لكل منها دوراً لا يجاوزه؟؟

لا شك إنها العظمة!! بل إنه التحدي الإلهي!!

وعجباً لابن آدم ما اخترع من تقنية متطورة إلا أخذت بيده من حيث أدرك أم لم يدرك إلى خالقه!!

فالوسائل المتطورة التي تكشف عن وجود المكون الكيماوي وتشخصه وتحدد كميته في العينة المختبرة مهما كان ضئيلاً كال (افَّ كوٍُْفُُّهْفِو؟) والـ( ذفِمْ كوٍُْفُُّهْفِو؟ ) وغيرها.

هذه الوسائل لا شك أنها تخاطب الإنسان الذي اخترعها بلسان حال الآية الكريمة (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)؟ (الحج‬46).

وما التطور الذي أحرزه الإنسان في ميادين الخلية والخلايا الجذعية واستنساخ الكائنات الحية وما يدخل في ميدانها هذا سوى براهين يقيمها المخلوق مجسداً من خلالها عظمة الخالق جل في علاه!! وختاماً لابد من القول إننا لا ولن نوفي هذا النص حقه إلا أن نشكر الله تبارك وتعالى ونسبح باسمه الذي خلق كل شيء وسخره لخدمة البشرية فلم يخلق الذين من دونه شيئاً.