البيوت نعمة عظيمة امتن الله بها على عباده فقال: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً «[النحل:80] فهي مكان القرار والاستقرار والسكن والطمأنينة وحفظ الأنفس والأموال والأعراض وهي لبنة الأساس للمجتمع المسلم، فإذا صلحت هذه اللبنة صلحت اللبنات الأخرى فصار المجتمع صالحاً وإذا فسدت فسد المجتمع. فللبيت أثر بعيد في تنشئة الأولاد وإحكام سيرتهم، بل لعله الأصل الأول في وراثة الدين واللغة، وقد قرر علماء الأخلاق أن العنصرين الحاكمين في التربية والسلوك هما الوراثة والبيئة، فكما قيل في الشعر :
وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في الفلاة وأيضا:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوّده أبوه
فأثر الأبوين معا هو الذي يرتقب في ذريتهما قال تعالى : (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) آل عمران33 ــ 34هذه الحقيقة مستقرة في إفهام الناس واعتقاداتهم منذ الأزل، فعندما جاءت السيدة العفيفة الطاهرة مريم بوليدها نبي الله عيسى عليه السلام من غير أب ــ إعجازا من الله تعالى وإظهارا لقدرته ــ إلى قومها قالوا لها استنكارا وتساؤلا ــ لمخالفة ما جاءت به هذه الحقيقة الراسخة: (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا)مريم 28 كأنهم يقولون لها ما علمنا عن بيتك ولاعن أبيك وأمك إلا كل طهر، فما هذا الذي جئتنا به يخالف هذه الحقيقة؟ ولقد كانت عليها السلام آية الطهر والعفاف والتقوى، إن البيوت مسؤولة عن نتاجها، ولذا انظروا إلى بيت أبي بكر الصديق البيت المؤمن بأكمله البيت الصالح كله من الذي تخرج منه؟ أسماء (ذات النطاقين)، عائشة (أم المؤمنين)، وبيت عمر رضي الله عنه من الذي خرج منه ؟ خرج منه عبد الله بن عمر بن الخطاب الفقيه العابد الزاهد وبيت علي بن أبي طالب من الذي خرج منه؟ خرج منه سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين ذرية طيبة بعضها من بعض، لذا نطالب الأم والأب معا بالعناية التامة بالأولاد فصلاح البيت صلاح الأمة ولذلك نجد أن الإسلام جعل البيت مكان عبادة، فطلب من الأب أن يصلي النوافل في بيته حتى يألف أبناؤه الركوع والسجود، كما طالب بأن يتلى القرآن في البيت ليتعطر جوه بمعاني الوحي وعبيره وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا» أي أن البيت الذي لا يصلى فيه كالقبر الموحش، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فان الله جاعل في بيته من صلاته خيرا) رواه مسلم أي أن هذه الصلاة هي سبب خير للبيت عموما، فعندما تصلي في البيت ويأتي الصغير، فينظر إليك، فماذا سيفعل؟ سوف يقلدك في الصلاة، تخيل ــ عبد الله ــ وأنت تصلي هل يجرؤ أحدٌ في البيت أن يغني، أو يرفع أصوات الغناء؟ فو الله إن الشياطين لتفر من البيت، فلتجعل لبيتك من صلاتك النافلة. يقول ابن عباس : (بت في بيت خالتي ميمونة ــ أم المؤمنين رضي الله عنها، زوج رسول الله ــ قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ــ تخيل غلاما صغيرا يقص تلك القصة، انظر كيف تأثر بذلك القدوة ــ ثم جاء إلى منزله قال: فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فقال: نام الغليم ــ يعني ابن عباس ــ يقول: وأنا أنظر إليه ــ يراقبه ابن عباس صغير قال: فتوضأ ثم قال: فقمت من النوم فتوضأت مثل وضوئه ثم صففت عن شماله وصليت ــ غلام صغير إذا رآك تصلي يفعل مثلك؟ ــ قال: فجذبني بأذني وجعلني عن يمينه، يقول: فصليت معه حتى صلى خمس ركعات، قال: ثم صلى ركعتين، فنام حتى سمعت غطيطه) انظر كيف تأثر الصبي انظر كيف يتأثر أفراد البيت بمن يصلي في البيت؟ ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت) ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة) فلابد أن نجعل البيت بيتاً يذكر الله فيه، .