قال الشيخ: اعلم أن من أسباب النجاة في الدنيا والآخرة عكوفك على باطنك واشتغالك بتزكيته ولا يوفق إلى ذلك إلا من اعتصم بالله واستعان به على نفسه، والاشتغال بالباطن يحتاج إلى علو همة أكثر مما يحتاج إليه إصلاح الظاهر، لما يقتضيه من مراقبة للنفس وخطراتها وللقلب وآفاته، ولما يحتاج إليه من قوة يأخذ بها المرء نفسه وشدة يعالج بها هواه، ولكنه السبيل الأوحد للفلاح ولكي لا تصير أعمال الجوارح هباء.
فتلك ثلاث لا بد من استحضارها، الأولى أن نسأل الله عز وجل الهداية وسلامة القلب وأن نتبرأ مما قد نظن أنه حول لنا أو قوة، فان لم نجد في النفس إقبالا على الخير طلبناه من الله عز وجل، وان رأينا فيها غلبة لهوى أو ميلا لمعصية أو كسلا عن عزيمة، فمالنا غير الوقوف على باب الله تعالى طالبين منه أن يقذفنا في لجج أنوار الهداية فتطهر قلوبنا وتزكو أرواحنا، وما أظن أن أحدا لا يقدر على هذا، والله لا يخيب من قصده وقد وعد في الحديث القدسي أن من أتاه مشيا أقبل عليه هرولة، وهو من باب المجاز اذ تنزه الحق سبحانه وتعالى عن الجسمية والحركة.
والثانية علو الهمة وهو مدد من الله عز وجل ولكنه أيضا مما يستجلب بالتعرض لمعرفة الله عز وجل وأسمائه الحسنى وسير أنبياء الله عز وجل والرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين من أهل الهمم والمروءات، فان وجدت في نفسك فتورا أو تقاعسا عن سلوك طريق التزكية فاعلم أنه مما يبعث الهمة إقبالك على المعرفة مع صدق التوجه إلى الله وصحبة صالحة، فتلك أدوية ثلاث، وهي مما يقدر عليه كل امرئ فلا تستخف بواحد منها، واعلم أنها مما لا يستغني عنه امرؤ أراد سلوك طريق الفوز في الدارين.
والثالثة أن أعمال الظاهر من عبادات وقربات لا تزن شيئا عند الله عز وجل إن لم يصحبها إخلاص وصدق، وأن تكون لله مع سلامة القلب من الرياء والعجب والحسد والغل والبغض وغيرها من الآفات، وأن تكون كما أمر الله عز وجل دون ابتداع.
فان كنت لا تجد في نفسك حتى الرغبة في أن تكون ممن يأخذ الله بأيديهم فيغلبون أنفسهم وشياطينهم ويسلكون طريق النجاة مع الرسول والذين آمنوا معه فاعلم أن الموت لا موعد له وأنك انما تقامر ليس بحياتك في الدنيا فقط وإنما بخلود بعد هذه الدار، وقد يكون في الجنة وقد يكون في النار.
واعلم أن كنت ممن ابتلوا بحب الدنيا وأهوائها من الرذائل والمفاسد أن من سلك طريق الهداية عوضه الله حلاوة في قلبه تغنيه وتكفيه، وأن تلك الحلاوة مما لا يجر وراءه المرارة ولا الندم كتلك اللذائذ التي صرفتك عن باب الله عز وجل والتي اشتريتها بمرضاته ورضوانه، واعلم أن للهمة العالية والأخلاق الرفيعة وللورع والاكتفاء بالحلال وللإقبال على الله عز وجل سرور ونشوة، بل وفرح يقذف به الله عز وجل في قلب من طرق بابه بإخلاص، وهذا في الحياة الدنيا وقبل الفوز في الآخرة.
واعلم أن من سلك هذا الطريق أمير ومن أخطأه مؤتمر وفقير، فالامارة في أن تكون مالكا لنفسك لا يملكك غيرك، ولا يتحقق هذا الا لمن كان أكبر من نفسه ونزعاتها متوجها إلى الله مستقويا به، ومادمت قد رضيت لنفسك أن تنقاد لشهوة أو حاجة أو ميل فاعلم أنك صرت لها ولمن يملكها عبدا، وملكت أمرك وأمر سعادتك لمن هو غير حريص عليك.
واعلم أن من سلك هذا الطريق قاض يقضي لنفسه بالنجاة والفوز في الدارين، وأن من أخطأه مقضي عليه أمره بيد غيره لا يملك لنفسه نفعا ولا نجاة، واعلم أن الله لا يظلم أحدا ولكن احذر من أن تعرض نفسك لغضبه الذي تستحقه بتفريطك. واعلم أن الله عزو جل إن أحب عبدا أمر أهل السماء والأرض أن يحبوه فكان مطلوبا، وان أبغض عبدا أمر أهل السماء والأرض أن يبغضوه فكان طالبا متطلبا، فاختر لنفسك واحدة فهنا الغنى والفقر الحقيقي.
