روى البخاري أن المكي بن إبراهيم حدثه فقال: أخبرنا حنظلة بن أبى سفيان عن سالم قال: «سمعت أبا هريرة عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أنه قال: يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج، قيل: يا رسول الله، وما الهرج ؟ فقال: هكذا بيده فحرفها ؛ كأنه يريد القتل».

هذا الحديث النبوى الشريف من الأحاديث النبوية التي يخبر فيها المصطفى ــ صلى الله عليه وسلم ــ أصحابه رضوان الله عليهم ــ بما سيحدث لأمته من بعده ؛ وهو من دلائل نبوته، وعلامات صدقه فيما يبلغ عن ربه؛ بل ومن معجزاته التي لا يستطيع اليوم وفى عصرنا هذا، أن ينكرها جاحد؛ فقد أخبر المصطفى ــ صلى الله عليه وسلم ــ أصحابه بموت العلماء من بعده، وظهور الجهل والجهلاء، وانتشار الفتن وكثرة الصراعات، واشتعال الحروب التي يقتل فيها الأبرياء؛ وقد حدث كل هذا؛ فما الفتن التي أودت بسيدنا عثمان، وسيدنا علي ــ رضي الله عنهما ــ وما انقسام المسلمين إلى شيعة، وأمويين وخوارج، وما الحروب التي اشتعلت بين تلك الأحزاب، وسالت فيها الدماء أنهاراً، إلا دليل على صدقه ــ صلى الله عليه وسلم ــ فيما بلغ عن ربه.

وفى الحديث الشريف من اللطائف البلاغية ما يلي:

‬1-جاءت عبارات الحديث الشريف أخباراً موجزة موحية، محكمة التركيب محذوفاً منها ما قامت القرائن على وجوده مقدراً؛ لأن ذكره مما يؤدي إلى ثقل العبارة بما يمكن الاستغناء عنه؛ كما أنه يؤدى إلى إطالتها وترهلها ــ والبلاغة الإيجاز ــ كما يقولون.

‬2- جاءت الأفعال مضارعة دالة على التجدد والحدوث كما في: (يقبض) و(يظهر) و(يكثر) لأنها أحداث ستظهر في المستقبل بعد وفاة النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ولم يقل: (سيقبض) ولا (سيظهر) ولا (سيكثر) لأن الله تعالى قد أطلعه على ما سيحدث، وجعل صوره تتحرك أمام عينيه؛ فهو يخبر عن أحداث تحدث أمامه؛ وكأنها شريط سينمائي ــ إن جاز التعبير - !

‬3-جاءت الأخبار في الحديث النبوي الشريف خالية من التأكيد؛ لأنها ألقيت من الصادق المصدوق ــ صلى الله عليه وسلم ــ إلى الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ لخلو أذهانهم؛ فليسوا منكرين، ولا ترددين؛ لثقته ــ صلى الله عليه وسلم ــ في تصديقهم لأخباره.

‬4-وقد حذف الفاعل من جملة (يقبض العلم) لتعينه ــ وهو الله تعالى ــ أي: يقبض الله العلم ؛ بينما ذكر في (يظهر الجهل) و(يكثر الهرج) لعدم تعينه. وفى: (يقبض العلم) استعارة بالكناية ؛ لأن العلم لا يقبض ؛ وإنما تقبض أرواح العلماء ؛ فهي بدورها كناية عن موت العلماء.

‬5-وفى (يظهر الجهل) تصوير للجهل ــ عن طريق الاستعارة المكنية ــ برجل كان مختفياً فظهر ؛ وفى ذلك إيحاء بأن الفتنة كانت نائمة ــ ولهذا دعا النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ على من أيقظها؛ وفيها ــ أيضاً ــ إيحاء بأن الجهال يختفون عند وجود العلماء الذي يدحضون الشبهات، ويكشفون الظلمات ويضيئون الطريق أمام الناس؛ فإذا ما انقرض العلماء وانطفأت مصابيحهم عم ظلام الجهل وبرز الجهال من أوكارهم؛ فأضلوا العامة بأفكارهم.

‬6-الإشارة بيده الشريفة عندما قال ــ صلى الله عليه وسلم ــ مشيراً إلى القتل: (هكذا) دليل على أنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ يكره القتل، ولا يريده لأحد؛ لأنه لم يشأ أن يتلفظ به.

‬7-المقابلة بالطباق بين (يقبض العلم) وبين (يظهر الجهل)؛ فقد قابل بين (يقبض) أي: يختفي وبين (يظهر) وقابل بين (العلم) و(الجهل) والطباق مما يبرز المعاني ويوضحها؛ وبضدها تتميز الأشياء.