الدين أساس اختيار شريك الحياة

ت + ت - الحجم الطبيعي

اعتنى الإسلام بالأسرة منذ بدء تكوينها فوضع الأسس والقواعد التي يعتلي عليها البناء الشامخ القوي الذي لا يهتز أمام رياح المشاكل وعواصف الأزمات فجعل الدين هو الأساس الأول في اختيار شريك وشريكة الحياة.

قال صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: مالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك».

مواصفات رغب فيها الإسلام، وقد ورد النهي عن زواج المرأة لغير دينها، ففي الحديث: «من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرا، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه».

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغين، ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل».

وعلى الطرف الآخر قال لأهل القناة في الحديث الشريف: «إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».

ونذكر أيضا في هذا المقام ما أشار به الحسن بن علي، على أحد المسلمين عندما جاء يسأله قائلا: خطب ابنتي جماعة، فمن أزوجها؟ قال زوجها من التقي، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها».

فلو اتفق الطرفان على أن الدين أساس الاختيار واتفقت منابع الفكر وتوحدت مساقي الآراء وانبعثت من الشريعة، صار الفهم واحدا والتفاهم بينهما تاما. أما الطبائع فمن السهل تغييرها بالتعود والإصرار، وما يصعب تغييره فلنتغاضى عنه فلو أن هناك ما لا يعجب من صفات فهناك مئات من الخصال الأخرى تعجب، وليس المطلوب من الزوج والزوجة أن يكونا صورة طبق الأصل من تكامل وتراحمه وأولاً وأخيرا نحن لسنا ملائكة ولكننا بشر نخطئ ونصيب. فالإسلام جعل العلاقة بين الزوجين علاقة تكامل لا تنافس، قوامها المودة والرحمة، قال تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة» الروم: ‬21.

وهذا التكامل أو الاندماج نتيجة أنهما من نفس واحدة ومن أصل واحد. قال تعالى: «ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) النساء: ‬1، وقوله تعالى في وصف العلاقة بين الزوج وزوجه: «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» البقرة من الآية: ‬187، وفي آية أخرى: «نساؤكم حرث لكم» البقرة من الآية: ‬223.

فلا يوجد كلام أبلغ من هذا وأدق وأعمق في وصف العلاقة الزوجية، فاللباس ــ ساتر وواق. والسكن راحة وطمأنينة واستقرار، وداخلهما العودة والرحمة واجبات وحقوق.

ولاستمرار العلاقة كما بينتها الآيات، حدد الإسلام دورا ووظيفة لكل من الرجل والمرأة في الحياة الزوجية، وذكر لكل منهما حقوقا وواجبات، إذا أدى كل منهما ما عليه سارت بهما السفينة إلى بر الأمان.

فمن واجبات الزوج الإنفاق على زوجه قدر استطاعته، ومن الخطأ الاعتقاد أن المال الكثير هو سبب السعادة الزوجية، ومن الخطأ أن يقال: إذا دخل الفقر من النافذة خرج الحب من الباب، فالسعادة يهبها الله ــ عز وجل ــ لمن اتبع تعاليمه وسار على نهجه الذي جاء في كتابه الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن واجبات الزوج أن يحسن معاملة زوجه ويعلمها تعاليم دينها، ويشاورها في شؤونهما ويرجح رأي الزوج، فعن حكيم بن معاوية عن أبيه قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه/ قال: «تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت» وأن يغض الزوج طرفه عن بعض نقائض زوجه، ولا سيما إن كان لها محاسن ومكارم وتغطي هذا النقص، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفريك ــ أي لا يبغض ــ مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر»، وقال صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم».

أما واجبات الزوجة فهي أهم وأكبر من أن تكتب في بعض السطور والأوراق، ثم يفرغ من قراءتها، فبيدها يتحول المنزل من قطعة من رياض الجنة إلى قطعة من نار جهنم، أو العكس، وأي تضحية من جانب الزوجة سيقابلها رد فعل أقوى وأكبر من جانب الزوج، وسينعكس تأثير هذا على الأسرة كلها.

ومن المفروض أن تأتي كل المعنويات التي تعتبر من مقومات السعادة الزوجية، من الزوجة أولاً، وليس هذا من باب التحيز للرجل أو غيره، وإنما هو من باب الفطرة السوية التي فطرت عليها المرأة.

فأول من تحتضن الطفل وترعاه هي الأم، وعلى قدر حبها ورعايتها ينشأ الطفل وما الزوج إلا طفل كبير والزوجة الناجحة هي التي ترعى زوجها، كما ترعى الأم أصغر أبنائها وأحبهم إلى قلبها، والآية الكريمة عندما ذكرت: «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» بدأت يوصف واجب المرأة ودورها.

ولما كان اللباس هو الساتر والواقي، ويأتي من صاحب المال والقوة وهو الرجل، كان من باب أولى أن يبدأ بوصف دور الرجل ووظيفته، ولكنه لعظم دور المرأة وأهميته الذي يفوق دور المال والقوة بدأ بهن.

ولعظم حق الزوج قال صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمرا أحدا يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها». وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال زوجها. قالت: فأي الناس أعظم حقا على الرجل؟ قال: أمه. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة».

وعلى المرأة أن تعي أن طاعتها لزوجها وإقامتها على شؤون حياته، عبادة الله ولها أجر المجاهدين، أي أن حسن معاشرتها لزوجها ستنعم بنتائجه في الدنيا والآخرة.

والإسلام أوجب على المرأة الامتناع عن أي شيء يضيق به الرجل، وأن تعلم وتعي أن للرجل حق القوامة عليها لا تسلبه سلطته وآرائه.

ومن حق الزوج على الزوجة ألا تصوم نافلة إلا بإذنه، وألا تحج تطوعا ولا تخرج من بيته إلا بإذنه، فعن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حق الزوج على زوجه ألا تمنعه نفسها ولو كانت على ظهر قتب، وألا تصوم يوما واحدا إلا بإذنه إلا الفريضة.

ورب كلمة حانية من الزوجة، وابتسامة صافية، وهدوء في الطبع، وأدب جم، وسلوك طيب، وقناعة بما قسمه الله يعدل عند الرجل جمال الكون كله، والرجل الذي يشعر بالسعادة والراحة والاطمئنان مع زوجه وفي بيته، ينعكس ذلك على عمله وعلى علاقته بالآخرين.

أسرة طيبة وأبناء صالحون

والأسرة الطيبة هي التي تنتج أبناء صالحين للمجتمع والطفل هذا المخلوق البريء الذي ننقش نحن الآباء ما نؤمن به فيه، ونسيره في هذه الدنيا بإرادتنا وتفكيرنا وتنشئتنا وتعليمنا.

هذه العجينة اللينة التي نشكلها نحن كيفما نريد دون إزعاج منه أو إعراض وليس له مثل أعلى يحتذى به إلا أهله يتأثر بهم تأثيرا مباشرا، ويتكرس سلوكه الأخلاقي نتيجة توجيه الأهل، ثم المجتمع من حوله وحسب تكيفه معهم يكون متأثرا بالمبادئ والعادات المفروضة عليه، ثم يصبح مفهوم الخير والشر عندما مرتبطا ارتباطا وثيقا بحياة العائلة ومعتقداتها.

لذلك فلا بد في هذه المرحلة من حياة الطفل من أن تعلمه أمه مكارم الأخلاق والأم التي لا تأخذ وليدها بالتربية والتهذيب تكون قد قامت بمهمة التكاثر تماما كما تقوم بها الحيوانات، وقصرت فيما وراء ذلك مما يمتاز به الإنسان عن الحيوان، فالإنسان يتميز عن الحيوان حينما يتجاوز مطالب البدن إلى مطالب الروح، ويتجاوز نطاق البيولوجيا إلى نطاق القيم السامية، ويسمو عن نوازع الطينة الأرضية إلى الآفاق النورانية. ما تسخو الأم على طفلها بالغذاء إرضاعا أو إطعاما مما تشتهي النفس حتى ينتفخ من فرط النعمة والتغذية، وكما تحنو عليه وتكثر له من الملابس التي تريح البدن وتسر النظر ولا ترد له طلبا، عليها أن تؤدبه وتحسن تأديبه، وتربيه على السلوك والخلق الإسلامي.

وهذه أعرابية يسألها المفضل بن زيد عن ولدها حينما رآه فأعجب بمنظره فقالت له أمه: إذا أتم خمس سنوات أسلمته إلى المؤدي فحفظه القرآن فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغبه في مفاخر قومه، وطلب مآثر آبائه تمرس وتفرس، ولبس السلاح ومشى بين بيوت الحي وأصغى إلى صوت الصارخ فالطفل محتاج إلى عناية تؤهله لكي يكون رجلا يحمل رسالة، ويبلغ دعوة، فيتعلم القرآن ويحفظه منذ نعومة أظافره، فينشأ متخلقا بالأخلاق الإسلامية الرفيعة الصادرة عنه في كل أعماله ومقاصده ويكون مسترشدا بها في طريق الدعوة وإذا ما نشأت الأسرة منذ بدء تكوينها على المبادئ والأسس الإسلامية التي ذكرنا بعضا منها، ستكون العلاقات الأسرية قوية متينة مبنية على الحب والود والتفاني والتضحية وغيرها من المبادئ السامية.

ولكن من الملاحظ ومنذ فترة قصيرة فتور العلاقات داخل الأسرة الواحدة، والتي حولت بعض الأسر من مصدر للعطف والحنان ولم شمل الأبناء والآباء إلى مصدر للتعاسة والشقاء، وبدلا من أن تكون الأسرة لبنة طيبة في بناء المجتمع أصبحت معولا لهدم هذا المجتمع، وللأسف ارتفعت معدلات الطلاق، فبينما تسعى الفتاة حثيثا للزواج تجدها تسعى بنفس السرعة للطلاق، وهذا يجعلنا نسأل ما الذي أصاب الأسرة، وهل هذه الإصابة أصابت الأشخاص أنفسهم أم أصابت فكرهم ومعتقداتهم؟

 

الاستقلال المادي

لماذا فقد الأب سيطرته وسطوته على البناء والزوجة؟ هل هو الاستقلال المادي، أم الهجمة الفكرية التي أتت علينا من الغرب؟ فبعد أن كان الابن يعيش في كنف والده حتى بعد أن يتزوج وينجب، تجمعهما نفس الدار ونفس المكان ونفس مائدة الطعام التي تجمع الآباء والأبناء والأحفاد. نجد أن الابن يهجر بيت أبيه سعيا وراء المال، ثم يأتي ليضع رأسه برأس أبيه ويريد أن يكون صاحب الكلمة والسلطة في بيت أبيه، وكذلك الأب الذي فر وترك الأسرة تجابه أزمات الحياة ومشاكلها بدون ربان للسفينة، واختار لهم توفير المال بدلا من بناء العواطف والأوصال الشخصية والأم أيضا هي الأم الحانية الحنون التي كانت تشعل الدفء في البيت بحبها وعطفها على الكبير والصغير وإدارة شؤونهم، الأم كانت تضحي بنفسها ومالها وراحتها وسعادتها وبكل ما تملك من أجل أبنائها.

هل أطفأت شعلة الحب، وما السبب؟ ولماذا سحبت القوامة بين يدي زوجها لتصبح هي الآمر الناهي في البيت وهي صاحبة الرأي؟ وصوتها فقط الذي يعلو ولا يعلى عليه؟

أم هي الهجمة الفكرية التي ساهم فيها العديد من الأدباء والكتاب والمفكرين، وأدت إلى تمرد الزوجة وهجرها لبيت الزوجية ونقمتها على معاشرة زوجها فيها أيها الأزواج والزوجات أن على كل واحد منكم أن يعرف واجباته .

طباعة Email