قال الشيخ: اعلم أن لأمراض القلوب أسبابا، ومن أسبابها طول الأمل والتسويف، وطول الأمل إنما ينجم عن غفلتين، الأولى الغفلة عن وقوع الموت في أية لحظة من الليل والنهار، وليس للموت أسباب إلا انتهاء الأجل، أما ما يرى من أسباب ظاهرة كالأمراض والحوادث فإنما هي ساترة لحقيقة الموت لا تقدم ولا تؤخر فيه، والغفلة الثانية هي عن قيمة أيام العمر وساعاته في أعمار الآخرة التي لا موت فيها، فكل راحة أو لذة في هذه الدنيا منتهية إلى زوال، وإنما جعلت أيامنا وأعمارنا لنعمر بها آخرتنا حيث الراحة واللذائذ الخالدة الأبدية، وطول الأمل والتسويف أصلان لكل علل القلب نسأل الله العافية.

وانظر إن شئت إلى الطالب كيف يهجر لهوه ومتعه من أجل الدراسة والتحصيل لعلمه أنه إن لم يفعل ذلك لم يقدر على تحصيل معاشه في القسم الأكبر من حياته، فان مال إلى اللعب وضياع الأوقات انطوت أيام شبابه ليجد نفسه وحيدا في مواجهة حاجات حياته لا يجد من يعينه عليها، ولو قيل للمرء ان مصابا أو كارثة ستلم بأهل الأرض بعد مئتي عام ما حمل هما لعلمه أنه لن يعيش لوقتها، فمن ذا الذي يضمن له أن يعيش عقودا أو سنوات بل حتى ساعات وقد دلت التجربة والمشاهدة على وقوع الموت في أية ساعة لا يؤخره شيء ولا يقربه شيء، فإذا علمت أن الموت حال في أية لحظة كان لا بد من مراعاة كل لحظة من لحظات العمر والاهتمام بأن تكون فيها في حال يرضي الله عز وجل، فلا يداهمنك ملك الموت وأنت في حال تسوؤك أمام الله ورسوله، من هنا وجب أن تكون ساعات العمر كلها فيما يرضي الله ولا يسخطه، في طلب علم أو عبادة أو ذكر أو تحصيل معاش، بل لا بد من مراقبة النفس وفحص النية والقصد ومراجعة الخواطر وتصفيتها حتى يتقبل الله سبحانه وتعالى منا أعمارنا وقد عطرناها بما يرضيه وحفظناها من كل ما يغضبه.

إن اقتحام الذنب أو المعصية سواء أكان هذا بالجوارح الظاهرة أو بالقلب وخواطره مع العلم بكل ما سبق إنما هو جهل وغرور ومغامرة لا تؤمن عواقبها، فاقتحام الذنب نقد والتوبة منه أو الأمل بقبولها أو نيل رحمة الله وغفرانه دين، فليس كل المذنبين يوفقون إلى التوبة، وقد لا تقبل توبة العبد، وقد لا يكون من أهل المغفرة، وكم من مذنب أو مقصر سوف فلم يمهله الموت، أو قسا قلبه من ذنوبه فأعرض عن ربه، من هنا كان لا بد من أن يكون كل وقت المرء فيما يرضيه أن قبض فيه من أحوال ظاهرة وباطنة، وأن يحرص على أن يكثر من أعمال التقرب إلى الله من عبادات وذكر وطلب علم واتيان كل خير وبر حتى يلقى الله بما ينفع أن يحسن الظن معه، والا فان حسن الظن هنا إنما هو من أفعال الحمقى، فكل كلمة لا تنفع ولا أقول تضر أبدلها بذكر الله أو بنصح صديق، وكل جلسة إلى من لا ينفعك مجلسه أبدلها بجلسة مع من ترضي الله في مجالستك إياه، وكل خاطر يخطر في بالك وتخشى أن يطلع الناس عليه فالله أولى أن تخشاه وإياك ــ وأحذر نفسي والله ــ أن تجعل الله أهون الناظرين إليك.

قال بعضهم: ان الوقت كالقصعة وضعت بين يدي جائع فان لم يجتهد في الأكل رفعت وبقي على جوعه، وهذه أيام العمر محدودة لا نعلم متى تنفد وتنقطع، وكل ما فيها من مفرح أو محزن إلى زوال ولا يبقى منها إلا ما عمرناها به من أعمال طيبة تؤنسنا في قبورنا وتسرنا في صحائفنا يوم العرض على الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم.