لا شك أن التلطف في الحديث يفعل أكثر مما يفعل العنف، كما أن اللين والرفق في الكلام يلين القلوب القاسية والكلام القاسي أو شديد اللهجة يقسّي القلوب التي أنعم من الحرير.

يقول تعالى: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» (آل عمران‬159). ويقول تعالى: «وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» (الفرقاء‬63). ويقول تعالى: «إما تُعرضَن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسورا» (الإسراء‬28).

ويقول صلوات ربي وسلامه عليه: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله».

فاللطف والرفق في الأمور ثمرة حسن الخلق، ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال.

والمؤمن الحق هو الذي يملك نفسه عند الغضب لأنه ارتوى من تعاليم الإسلام وعرف كيف يعالج النفس حال الغضب، لذلك لا تبدر منه كلمة نابية أو جارحة مع من يتعامل معهم سواء مع زوجته في البيت أو مع أولاده أو مع زملائه أو مع جيرانه أو مع من يقابلهم في الطريق أو المحلات العامة. وإذا تحدثت معه في مسألة شائكة وجدت منه الرفق والكلام اللطيف الليِّن الذي يزرع المحبة بدل البغضاء والكراهية.

يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: «إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الحزق، وإذا أحب الله عبداً أعطاه الرفق، وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حُرموا محبة الله تعالى» (رواه الطبراني في الكبير من حديث جرير بإسناد ضعيف).

إن الناس ينفرون بطبائعهم من الفظاظة والخشونة والعنف ويألفون الرقة والدماثة واللطف في الحديث وقوة الإقناع دون انفعال أو غضب كما تفعل بعض فئات في المجتمع كالسباكين والحرفيين، ولو استخدموا الرفق في كلامهم وهدوء نبرة في الصوت عند حديثهم لاستمع إليهم من يتعامل معهم دون إزعاج، فعلو الصوت والسب أو القذف لا توصل إلى نتيجة مرضية. لقد علّم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين الرفق في معاملة الناس، فدعا إلى التصرف اللبق والأسلوب الأمثل الذي يجب أن يستخدمه الداعية في دعوته إلى دين الله الرحيم الرفيق بعباده مهما كان الموقف مثيراً. رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين» (رواه البخاري).

ويقول الإمام علي رضي الله عنه: «الرفق يمن والأناة سعادة فتأن في أمر تلاقي فيه نجاحاً».

فإذا تعرض إنسان لظلم أو إجحاف في حقه من قبل رئيسه في العمل استخدم الكلمة العاقلة الهادئة الرقيقة كي يقنع رئيسه وينجح في تحقيق مآربه حتى لا يضيع حقه.

قيل: الكلمة اللطيفة أشبه بيوم ربيعي.

وقيل: بالرفق تُنال الحاجة.

قال وهب بن منبه: الرفق ثني الحلم.

وقال بعضهم: ما أحسن الإيمان يزينه العلم، وما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم وقال سفيان لأصحابه تدرون ما الرفق؟ قالوا قُل يا أبا محمد، قال: أن تضع الأمور في موضعها، الشدة في موضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه والسوط في موضعه. وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق وقال لقمان الحكيم: إن من الكلام ما هو أشد من الحجر وأنفذ من وخز الإبر وأمر من الصبر، وأحر من الجمر، وإن من القلوب مزارع فازرع فيها الكلمة الطيبة فإن لم تنبت كلها ينبت بعضها.