عن أبى مسلم التغلبي قال: دخلت على أبى أمامة ــ وهو في المسجد ــ فقال: يا أبا أمامة؛ إن رجلا حدثني عنك أنك سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «من توضأ فأسبغ الوضوء ؛ فغسل يديه ووجهه ومسح على رأسه وأذنيه ثم قام إلى صلاة مفروضة غفر الله له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجلاه وقبضت عليه يداه، وسمعت إليه أذناه، ونظرت إليه عيناه، وحدث به نفسه من سوء» فقال: والله لقد سمعته من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرارا» رواه أحمد. وإسباغ الوضوء: إتمامه. وما مشت إليه رجلاه: أي الذنب الذي مشت إليه رجلاه. هذا الحديث الشريف: من الأحاديث النبوية الشريفة التي يرغب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها المسلمين ويحثهم على الصلاة والمحافظة عليها عن طريق عرض مزاياها؛ ومن هذه المزايا: أن من توضأ، فأتم وضوءه، ثم قام إلى صلاة مفروضة فأداها غفر الله له من الذنوب في يومه، ما سعت إليه قدماه، وما قبضت عليه يداه وما سمعت إليه أذناه ؛ بل كرره مرارا على مسامع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ مما جعل الصحابي الجليل أبا أمامة يقسم على سماعه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرارا.
وفيه من اللطائف البلاغية ما يلي:
1 ــ أسلوب الحديث النبوي الشريف: أسلوب خبري لفظا، إنشائي معنى يقصد به المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حث المسلمين، وترغيبهم في الصلاة والمحافظة عليها؛ وهو خال من التأكيد لخلو أذهان المخاطبين من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ منه ؛ وجاءت كلماته سهلة سلسة، ومعانيه واضحة جلية لا غموض فيها ولا التواء.
2 - وقد جاء الحديث النبوي في صورة الشرط والجزاء، وجاءت أفعال كل منهما أفعالا ماضية للإشارة إلى وجوب الإسراع بالوضوء وإسباغه والقيام إلى الصلاة، وللإشارة إلى أن غفران الذنوب التي ذكرها، أمر واقع لا محالة ؛ لأن الفعل المتيقن الحدوث يكون كالذي حدث فعلا ؛ ولهذا قال: غفر الله له ؛ ولم يقل. يغفر الله له؛ فهو من الاستعارة في الفعل باعتبار صيغته؛ فقد استعار صيغة الماضي لصيغة المضارع ؛ للإشارة إلى ما ذكر؛ من وجوب الإسراع بالوضوء وإلى أن الغفران واقع لا محالة.
3 - الجمع بين الإيجاز والإطناب: فالإيجاز بالحذف في قوله: (من توضأ) لأن المعنى: (من أراد أن يتوضأ) والإرادة هنا حديث للنفس بخير ـ وهو الإسراع بأداء الصلاة ـ وقد طوى ذكره هنا ؛ لذكر ما يقابله في الجزاء ؛ وهو قوله: (وحدث به نفسه بسوء)؛ كما طوى ذكر غسل الرجلين إلى الكعبين ؛ لأنه بدأ بهما في ذكر الجزاء في قوله: (ما مشت إليه قدماه). وأما الإطناب، ففي الإيضاح بعد الإبهام في قوله: (فأسبع الوضوء؛ فغسل يديه ووجهه ومسح على رأسه وأذنيه) لأنه أبهم إسباغ الوضوء، ثم وضحه بما بعده من غسل اليدين والوجه ومسح على الرأس والأذنين.
4 - الإظهار في مقام الإضمار: في قوله: (من توضأ فأسبغ الوضوء) لأن المعنى، من أراد الوضوء فأسبغه ؛ لما في لفظ الوضوء من معنى يحرص عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو: الوضاءة ؛ بمعنى الحسن والنظافة والطهارة ؛ للتأكيد على أهميته؛ لأنه أساس فى غفران الذنوب.
5 - العطف بالفاء في قوله: (من توضأ ؛ فأسبغ الوضوء؛ فغسل يديه) فالفاء الأولى أفادت الترتيب والتعقيب لأن المعنى من أراد أن يتوضأ فأتم الوضوء. والفاء الثانية: فاء الفصيحة ؛ لأنها أفصحت عن معنى إسباغ الوضوء ووضحته وفصلته. والعطف (بثم) في قوله: (ثم قام إلى الصلاة) لتراخى المدة بين الوضوء والقيام إلى الصلاة وأما العطف بالواو في قوله: (ما مشت إليه رجلاه، وقبضت عليه يداه، وسمعت إليه أذناه، ونظرت إليه عيناه، وحدث به نفسه) لاتفاق تلك الجمل في الخبرية لفظا ومعنى وبينهما تناسب تام، ولا مانع من العطف.
6 - تصنيف الجزاء على حسب طهارة الأعضاء التي يشملها الوضوء، وارتباط الغفران بطهارة تلك الأعضاء ؛ فغسل الرجلين يقابله غفران الذنوب التي سعت إليها قدماه، وغسل اليدين يقابله غفران الذنوب التي تسبب فيها يداه، وغسل الوجه بما فيه من الأذنين والعينين يقابله غفران ما سمعت إليه أذناه وما نظرت إليه عيناه وأما نية الضوء ـ وهى حديث للنفس بعمل خير وهو الوضوء والصلاة ـ فيقابلها، غفران ما حدث به نفسه من سوء ـ وهو شر ـ.
7 - ووصف الصلاة بأنها (مفروضة) وليست نافلة ؛ لأن أداء الصلاة المفروضة يتجلى فيه الانصياع لأوامر الله تعالى ؛ وأما النافلة فلا إلزام فيها.
وعبر بقوله: (ومسح على رأسه) ولم يقل: (ومسح رأسه) للإشارة إلى أن المسح يجب أن يكون خفيفا وإلا فإن زاد كان غسلا، أو كان قريبا منه ؛ كما عبر بقوله: (وسمعت إليه أذناه) فعدى الفعل بإلى مع أنه يتعدى بنفسه ؛ ولم يقل: (وسمعه أذناه) للإشارة إلى أن سماع المحرم إنما يكون ذنبا إذا قصده الإنسان وتطلع بسمعه إليه ؛ أما إذا سمعه بدون قصد فلا إثم عليه.
