ينفرد القرآن الكريم بأساليبه التحاورية التي تضع المتلقي أمام حقائق لا يقف بوجهها ظن أو قول ثم لا يجد مناصا من إعلان استسلامه بل وذهوله من عظمة القرآن.

ويمثل النص الكريم مدار مقالنا هذا تحديا آخر يتحدى الله تبارك وتعالى به البشرية بعدما طرح عليهم تساؤلا : (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة‬63 ? ‬64).

ومعروف أن النشاطات الحيوية التي تجري داخل البذور بعد ملامستها للماء مرورا بمراحل نمو النبات وإزهاره وإثماره وحتى تكوين البذور مرة أخرى ليس للإنسان دور في أي منها.. وما هي إلا أيام قلائل بعد ري الأرض أو سقوط الأمطار حتى تظهر النباتات وتتحول وبسرعة إلى مصانع عملاقة تنتج له شتى المحاصيل الزراعية حبوبا وخضارا وفاكهة ودواء وزينة لداره ومدينته وأخشابا وأليافا لصناعته وأعلافا لماشيته ومنافعه الأخرى، لا بل إن أعدادا هائلة من الأنواع النباتية تنبت بذورها وتعيش وتتكاثر في الصحارى دون أن يتدخل الإنسان في حياتها وهي التي تشكل مجموعة النباتات البرية.

فهو والى زمن قريب كان لا يعلم مجرد العلم ما الذي يحصل داخل الخلية الحية نباتية كانت أم حيوانية وأمضى قرونا وهو يتعلم كيف تجري الخلايا النباتية تفاعلاتها الكيماوية وكيف تستخدم طرقا وقواعد علمية دقيقة كي تنمو وتتكاثر..

ليس هذا فحسب بل ان الخلية النباتية التي لا يستطيع رؤيتها بالعين المجردة تحولت بأدائها الدقيق والمتوازن الذي لا يختلف كثيرا عن أداء كائن حي بكامله إلى نموذج مذهل لعقله لا بل إنه ليزداد ذهولا أمام جدارها : مم يتكون وكيف يؤدي الأدوار المناطة!، وإزاء عجز الإنسان هذا أردف القرآن الكريم (لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (الواقعة‬65 -‬67)

برهان آخر على الدور الحصري لله تبارك وتعالى في الخلق والتحكم في المخلوق وإظهاره على الشكل الذي يشاء والدور أو الأدوار التي ينيطه بها ومن ثم هديه إلى التقدير الذي رسمه له (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الاعلى‬1-‬3)

ما عساك فاعل يا ابن آدم لو شاء الله تعالى أن يجعل النبات برمته يتحول إلى حطام لا فائدة منه؟

بل ماذا لو كان التقدير الإلهي للنبات غير ما هو عليه الآن فإذا بثماره لا تنضج فقط؟

إن خلايا النبات الخضراء تجري ما يربو على الخمسين تفاعلا كيماويا حتى تنتج جزيئا واحدا من السكر ولو توقف أحد تلك التفاعلات فلن يتكون السكر!

وهذا السكر هو المصدر الرئيسي للطاقة التي يعتمد عليها الإنسان والكائنات الحية الأخرى العاجزة عن صنع الطاقة ذاتيا!

والثمار لا تحتوي على السكر فحسب بل تحتوي على مركبات أخرى من أملاح معدنية وعناصر وفيتامينات. ومن الحقائق العلمية أنها تكون في بداية عقدها مليئة بمواد لا يستسيغها الإنسان أو ربما تكون مضرة له لكن تفاعلات كثيرة تجري بداخلها لتحولها إلى ثمار غاية في الطعم والمذاق بل والفائدة لجسم الإنسان!

ولكن لو توقف بعض من تلك التفاعلات لكانت الثمار عديمة الفائدة.. ولذلك يقول الله تعالى (انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الانعام‬99)

وهنا أمر بدراسة نمو الثمار وتقلباتها من مرحلة لأخرى حتى تصل مرحلة النضج الكامل الذي يتناولها الإنسان لأن تلك الدراسة ستجسد أمامنا طلاقة القدرة الإلهية..

ماذا عسانا نفعل لو شاء الله تعالى أن يجعل النبات يحول السكر الذي ينتجه إلى سم زعاف؟ فهناك المئات من الأنواع النباتية هي سامة للإنسان والحيوان!

أتكون هناك حياة يا ترى والنبات هو محور الحياة بأسرها؟

ولذلك ترى النص الكريم اتبع بالنتيجة المتوقعة (فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون) إنه فعلا حقيقة الحرمان!

واليوم وبعدما أصبح معلوما أن كل صفة من صفات الكائن الحي لا تأتي إلا نتيجة لدور الجينات الوراثية؟ ألا تضع هذه الآية الإنسان أمام علم الوراثة؟

بلى فلقد خلق الله تبارك وتعالى النباتات وأوحى إلى عدد كبير منها عبر الجينات الوراثية أن تنتج ثمارا يتنعم ويتلذذ بها الإنسان فضلا عما تزود جسمه بمواد ضرورية لنشاطه وحيويته ويتمتع بمناظرها إضافة لمنافعها الأخرى المعروفة (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الاعراف‬32)

فالإنسان الذي يملأ الإيمان قلبه هو محور اهتمام الحق تبارك وتعالى لأنه المكلف بخلافته في الأرض. نعم يا رب لو شئت لجعلت النبات حطاما عندها سنحرم من كل شيء لكن فضلك أكبر من أن يحصى ونعمك تملأ الأرض والسماء مصداقا لقولك الأسمى (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل‬18)