قال الشيخ: ان من أكثر ما كان سببا في تشويه الإنسان في هذا الزمان أنه اغتر بحواسه، وما هي الا نوافذ ضيقة تكاد لا تكشف شيئا من العوالم الرحبة، واغتر بعقله وما يؤدي إليه من محاكمات واستنباطات واستنتاجات، وقد ينحرف فيها اتجاه المعرفة فلا يلبث أن يزيد الانحراف حتى يؤدي إلى نتائج باطلة ونهايات ساقطة، فضلا عن كونها معرفة جافة يابسة لا تروي ظمأ ولا تبل صدى، وأنه ترك المعرفة القلبية والروحية لاغيا قلبه وروحه، فحرم نفسه من آفاق رحبة من العلم وما يمكن أن يعلم، ومن المعرفة وما يمكن أن يعرف، ومن البصيرة وما يمكن أن تعاين.

وهذا الكلام ليس كلامنا فقط، فالغربيون أنفسهم يضجون اليوم في البحث عن معان أعمق للحياة، وعن مستويات أرحب من الوجود، وتفسيرات أوسع للحوادث والأفعال، فأرواحهم تئن بحثا عن متعلق تتعلق به، ولكنهم يريدون روحانية دون التزام، وأديانا بدون حلال وحرام، فراحوا يخترعون مفاهيم كالطاقة وقوة الجذب والسر والكارما وغيرها، وكل هذا لا يغنيهم ولا يغني عنهم شيئا.

ونعود إلى المعرفة التي قلنا انها أصل كل تزكية، وأهم ركن من أركان القلب السليم، ذلك أنها وظيفة القلب التي خلق من أجلها، وهو موطن البصيرة المفتوحة على العوالم الفسيحة، وقد أكرمنا الحق سبحانه وتعالى بأن دلنا على طريق هذه المعرفة القلبية، التي هي ليست مجرد أفكار باردة، وانما هي معارف عقلية وقلبية وروحية ووجدانية، تجعل للحياة معنى، وللأفعال مغزى، وللسلوكيات توجها، وللمواقف حرارة وتوهجا.

وهذه معارف يصعب النطق بها، والتعبير عنها، لأن اللغة لا تسعف وان سلمت زمامها للعارف، من هنا قل كلام العارفين وكثر تحيرهم، قالوا: من عرف الله كل لسانه، ودهش عقله، وأي دهشة أشد من دهشة العارف؟ ان تكلم بحاله هلك، وان سكت احترق.

وقولهم ان تكلم بحاله هلك، ليس لأن في معرفة الله المقصودة بدع تخالف الشريعة، فتلك ليست معرفة إلهية بل هي معرفة شيطانية أعاذنا الله منها، وقد ضل كثيرون عندما لبس الشيطان عليهم فهلكوا وأهلكوا، وانما لأن في معرفة الله ما يغني عن الناس كل الناس ويلفت عنهم، وما يصرف عن الاعتماد على الأسباب والاغتناء بخالقها، وما يجعل الدنيا لا تساوي في نظر صاحبها طرفة عين، وهذا قد يعتبر عند أهل الدنيا نوع من الضلال، أو شكل من أشكال الجنون، وقد لا تسعفه اللغة فيخرج على لسانه تعبير لا يصح في ميزان العقل البارد، مع أنه قد يقبل ممن قلبه في ربه شارد، ومع أن صاحبنا لا يصر على قولته التي لم تسدد، فإنه يلعن عند أهل الدنيا وقد يهدد ويجلد.

واعلم أن المعرفة ان تمكنت في القلب لم تسمح بسقطة، ولم توقع في ورطة، انما هي سقطات من على الدرب سائر، فالأولى أن يؤخذ بيده لا أن يلام لقولته ووحيدته.

قد يقول قائل: وما جدوى هذا الكلام في هذا الزمان، والناس قد شرش حب الدنيا في قلوبهم، وانحصر في متاعها الرخيص همومهم، فكأنك يا شيخ تحكي عن أناس قد انقرضوا، وما نرى الخلق اليوم إلا وعما تدعو اليه قد انفضوا، أقول والله المستعان ليس إغلاق الأبواب وسد الطرق من المحاسن، ولا بد من التفريق بين الماء الزلال والماء الآسن، ومادامت معرفة القلب مقدور عليها، معروف طريقها ومنازلها، فهي حجة لا تزول عن العباد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها يوم المعاد.

فقلة العارفين اليوم لا تعني ألا ندعو إلى المعرفة الحقة، وقلة السالكين لا تعني المكوث وان بعدت الشقة، ووالله ان الحياة لا تحلو الا بمعرفة الإله الحي القيوم، فبها وحدها تزول الغموم والهموم.

ومعرفة الله عز للعارف، وأمان للخائف، وغني عن الناس، وقهر للوسواس، وهمة عالية، وأسرار غالية، من نال منها حظا هانت الدنيا كلها في عينه، فهي نعيم قبل نعيم الآخرة، وهي سند ولا سند غيرها إذا ادلهمت الخطوب، وهي ما خلقنا لأجله ونحن نستخدم أنفسنا في غايات أرخص وأبخس.

لقد شرفنا الحق سبحانه وتعالى بأن خلقنا لمعرفته وعبادته دون غيرنا من الخلق، فهل قدرنا هذا التشريف حق قدره.