وضع الإسلام علاجاً للعديد من المشاكل وشرع ما هو كفيل بالقضاء على سلطان الفتن، ومنها سلطان المال، ففرض الزكاة وجعلها حقاً واجب الأداء للمستحقين (فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل) أي ذوو الأضعاف المضاعفة من الثواب، فالزكاة عون للمؤمن في التخلص من سيطرة المادة وتقديمها على حب المؤمن أخاه المؤمن، فالبناء الصلب يتكون من معاونة المؤمن لأخيه والمال مادة هذا البناء.

وما نلاحظه الآن أن المال إذا زاد على حاجة صاحبه زيادة فاحشة قاده إلى الشر، وصدق الله العظيم إذ يقول: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) ويقول عز وجل (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير).

أما إذا وقع الإنسان أسيراً للمادة، انحرف سلوكه نحوها وقضى على نفسه بأن يخدمها ويضحي من أجلها بنفسه وبأخيه، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وعلى هذا فعلى المؤمن حق لأخيه المؤمن يجب عليه أداؤه لحفظ التوازن في هذا المجتمع.

فالزكاة سبيل الفلاح، وهو سبيل الفلاح الذي حدثنا عنه القرآن (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون).

وقد جعل الله الزكاة طهرة للمال ولصاحبه، فلاتزال النعمة بالمال ممن أدى زكاته بل يدفع الله بها الآفات ويجعلها حصناً للمال وقد أوجبها الله مرة كل عام، إذ وجوبها كل شهر أو كل جمعة يضر بـأرباب الأموال ووجوبها في العمرة مرة مما يضر بالمساكين وقد فاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها.

وقد تولى رب العزة قسمة الصدقة بنفسه وجزأها ثمانية أجزاء يجمعها صنفان من الناس، أحدهما من يأخذ بحاجته فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها وكثرتها وقلتها، وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل، والثاني من يأخذ لمنفعته وهم العاملون والمؤلفة قلوبهم والغارمون لإصلاح ذات البين والغزاة في سبيل الله.

وكان صلى الله عليه وسلم ينهى المتصدق أن يشتري صدقته وكان يبيح للغني أن يأكل من الصدقة إذا أهداها إليه الفقير وكان أحياناً يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.

وكان أعظم الناس صدقة بما ملكت يده وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه لله تعالى ولا يستقله ولا يسأله أحد شيئاً عنده إلا أعطاه قليلاً كان أو كثيراً، وكان عطاء من لا يخاف الفقر وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فهو إمام المتقين.

وعلينا أن نذكر قول الله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) أي لن تنالوا ثواب الله ورحمته حتى تنفقوا في سبيل الله بعض ما تحبون، وهكذا كان السلف الصالح إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله عز وجل.