قال الشيخ: إن كنت عزمت على أن تكون ذا قلب سليم فان أول خطوة عليك أن تخطوها أن تتبرأ من حولك وقوتك، وأن تنظر إلى إقبالك على الله على أنه توفيق من الله لك وإقبال منه عليك، واعلم أنك ممن رضي الله عنهم فلولا رضاه لبقيت بعيداً ولما قربك إليه، أما ان كنت ترى أن إقبالك عليه لفهم فيك أو لارتقاء عندك، أو لسعي منك فانك قد ضللت الطريق من البداية ولا ينتظر لك أن تصل إلى ما تريد.
فعليك إذن أن تذبح اعتبار نفسك وتدخل على مولاك بفقرك وتجردك موقناً أنك ما وليت وجهك نحوه إلا لأنه أراد أن يهديك، وان كنت قد وعيت ذلك فأول ما يجب أن يعتريك حياء ممن دعاك بعد ما هجرته، وناداك بعدما قليته، وقربك بعد ما عصيته، فالزم الباب ولا تأخذك سنة ولا لفتة وابدأ بتوبة هي الإقرار بالعصيان والبعد والحرمان، والندم على ما فات من العمر في البعد والغفلة، وطلاق الإصرار على الذنوب وان صغرت، لأنك داخل في عوالم من الطهر والقرب لا يجدر أن تدنسها بمعصية وان تضاءلت، واعزم على الكدح إلى ربك وارحل إليه بروحك وقلبك قبل أن ترحل إليه بجسدك، فإن فعلت تضاءلت الدنيا في عينك ولاحت أمامك شموس القرب حتى صرت لا تبالي بالموت في أي لحظة جاء.
واعلم أن هذه المعاني كالتبرؤ من نفسك وكالحياء من ربك وكالتوبة النصوح التي لا تنقض عراها ان رأيت في نفسك ميلاً لها ولم تجد مع الميل عزماً فاطلبها من الله سبحانه وتعالى صادقاً وألح عليه في الطلب، وهذا مما لا ينتبه إليه كثيرون فاعلم الحق والزم.
ولا بد لي من وقفة التقط فيها الأنفاس معترفاً والله بأنني أول من يحتاج إلى هذه المعاني، وأنني ان كنت أجيد الكلام فإنني لا أجيد العمل والإخلاص وصدق التوجه إلى الله تعالى، فالله أسأل أن يمن علي بالإخلاص والجد في العمل والتعويض عما فات، وألا يكون علمي سبباً في بعدي وعذابي يوم القيامة، اللهم ارزقنا جميعاً القلب السليم.
واعلم أن التوبة حال مستقرة ودائمة عند كل من رضي الله عنه، فهو لا ينفك يجددها دائماً مادام عرضة للذنب أو الغفلة، فلا تظنن أنها توبة واحدة وينتهي الأمر لأن من راقب نفسه لم يجدها تخلو من ذنب أو غفلة أو عيب، فجدد التوبة كل يوم بل كل ساعة واحرص على الصدق فيها وان كررت الذنب فرب ميتة جاءت إثر توبة تنجيك يوم القيامة، واعلم أن كل هذا من فضل الكريم عليك.
واعلم أن الله يغفر ذنوب العبد مهما بلغت إلا حقوق العباد فلا بد من ردها إلى أصحابها، ولا تغني صلاة ولا صوم، ولا قيام ولا جهاد، ان كنت قد أكلت درهماً من حق عبد لله، إلا أن ترده إليه وهذا من مظاهر تجلي العدل الجبار، فان لم تقدر على رده اسع لعفو منه ؟أي من صاحب الحق- في الدنيا قبل أن يسترد ماله في الآخرة من أطيب عملك وأخلصه، فذلك هو الخسارة والإفلاس كما أخبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.
واعلم أن التوبة إنما هي لله تعالى، ألم يقل عز وجل (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) فان تاب الله على العبد تاب العبد، وأكثر الناس لا يفقهون هذا نسأل الله الهداية.
والتوبة في اللغة هي الرجوع، فالتائب يرجع إلى ربه، والحق سبحانه ينادي عبده ويطلبه للرجوع إليه، وهي رجوع عن كل مذموم في الشرع حراماً كان أو مكروهاً، أو تكاسلاً أو خمولاً، والتوبة أقلها ترك المعاصي خوفاً من العذاب، وأعلى منها ترك المعاصي حياءً من الله سبحانه وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وأعلى منها ترك كل ما يشغل عن الله ورؤية كرمه والاستغراق في مشاهدة كمالاته عز وجل، وأعلى منها التوجه إلى الله دون الوقوف عند نعمة أو محنة، ثواب أو عقاب، فالحق سبحانه وتعالى اله يعبد لذاته العلية وصفات الكمال والجلال فيه، وهذا من حقائق المعرفة الذوقية.
