لقد امتزج الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن روحاً وقلباً وجسماً وامتزج القرآن به عقيدة وأخلاقاً وتشريعاً، فكان صلوات الله عليه قرآناً يسير في الناس. كان تقياً منذ نشأته، وظهرت تقواه قبل نبوته، ودعا إلى التقوى يوم أن حمل مشعل الهداية، وسار يضيء للناس الطريق القويم.

وإذا كانت السعادة في الدارين معلقة لهدى النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها وتقواها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، لقد تجلت عناية الله بنبيه منذ ولادته، وشملت العناية الربانية بلدته التي ولد بها، ففي مكة بيت الله الحرام وقد تعرض له جيش أبرهة الذي يضم مجموعة من الفيلة (يستخدمونها كما تستخدم الدبابات اليوم في الحروب)، فهرب أهل مكة، وخرجت آمنة بنت وهب إلى الجبال القريبة خوفاً على جنينها.

ووقف عبدالمطلب جد النبى أمام باب الكعبة ومعه نفر من قريش يدعون الله، وهبطت الملائكة تحرس البيت، وتجمدت الفيلة في مكانها بأمر الله، ودهش أبرهة، ورفع بصره إلى السماء، فإذا به يرى أسراباً من الطيور الزاحفة تنقض على الجيش وتقصفه بحجارة من سجيل لها أثر القنابل الفتاكة في عصرنا هذا.

ووسط أفراح مكة بنجاتها ونجاة الكعبة، يولد نبي الرحمة، وتطير البشائر بمولده، ويحدث ما يشبه المعجزات تكريماً لمولد الرسول، فتخمد النار المعبودة في معابد الفرس، وتنكس الأصنام، وتجف بحيرة ساوة المقدسة عند الروم، وتسقط أربع عشرة شرفة من قصر كسرى الذي تجبر في الأرض، فكان مولد الرسول صلى الله عليه وسلم رمزاً لتحرير العقل البشري من أباطيل الضلال.

تحرك المولود في مكة في عام الفيل، ويرى جده في منامه هاتفاً يهمس له «اسمه مشتق من الحمد (محمد أو أحمد). فسماه محمداً، وقال: رجوت أن يحمد في الأرض. ورباه الحق عز وجل منذ طفولته، وامتحنه باليتم، فقد مات أبوه وهو جنين، ولم تكن أمه آمنة تعرف أن هذا اليتيم سيتحمل مسؤولية اليتامى والحزانى في الأرض، «ولا يعرف الرحمة إلا من ذاق الحزن وعرف الآلام».

لقد امتن الله على رسوله برحمات جلّت عن الوصف، وذكّره بها ممتناً عليه بهذا الفضل فقال تعالى: «ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى».

لقد كان يتيماً فآواه الله، وكان تائهاً فهداه الله، وكان فقيراً فأغناه الله، فما أعظم هذه الرعاية استأثر الله بإيوائه وهدايته وإغنائه، وتلك درجة من درجات الفضل لم يبلغها أحد.

وكان صلى الله عليه وسلم يتيماً لأن والده توفي في المدينة وهو في بطن أمه، فلما وضعته أمه عطف الله عليه قلب جده عبدالمطلب وقلب مرضعته حليمة، وكفله جده خير كفالة، ثم مات جده وسنه ثماني سنين، وكفله عمه أبو طالب بوصية من أبيه عبدالمطلب، وكان شديد العناية به في صغره، عظيم المحبة له في كبره، ومازال يحميه وينصره بعد أن أكرمه الله بالنبوة حتى قبضه، وتجرأت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت عمه، حين اضطرته إلى الهجرة إلى المدينة. وقد نشأ صلى الله عليه وسلم موحداً، لم يسجد لصنم، وطاهر الخلق، لم يقترف فاحشة، حتى عرف بين قومه بالأمين، فضلال الشرك وضلال الهوى في العمل كانا بعيدين عن ذاته الكريمة، نزهه الله عنهما من أول أمره ليعلي منزلته عند من يرسل إليهم فيسمعوا قوله ويهتدوا بهديه.