عن ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: «إنها ستكون بعدي أثرة، وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم{ متفق عليه، والأثرة: الانفراد بالشيء عمن له حق فيه».

وفى الحديث الشريف: إخبار من النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ عما سيكون بعده من أحوال أمته؛ وقد أطلعه الله تعالى عليها عن طريق الوحي؛ فلئن كان المسلمون في عهد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وقد كانوا قريبي عهد بالبعثة المحمدية؛ يعيشون في أخوة إسلامية، ومحبة إنسانية يؤثر بعضهم بعضا، ويعطف بعضهم على بعض، ويحترم كل فرد منهم حقوق الآخرين، فإن الأمور بعد وفاة النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ سوف تتغير من الإيثار ــ وهو تفضيل الغير على النفس ــ إلى الأثرة ــ وهي حب النفس والانفراد بالشيء عمن له حق فيه. وقد صدق النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ فيما أخبر به، فقد طغت الأنانية على بعض النفوس بعد وفاته ــ صلى الله عليه وسلم ــ ولاقت الأمة الإسلامية من جرائها ويلات كثيرة.

وفيه من اللطائف البلاغية ما يلي:

‬1 ــ وضع المضمر موضع المظهر: وقد تمثل هذا في (ضمير القصة) في قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (إنها) أي: القصة ولا يأتي الكلام بعد ضمير الشأن أو ضمير القصة إلا إذا كان المعنى الذي توارى خلفهما من المعاني المهمة لدى المتكلم، والتي يحسن تهيئة النفوس لتلقيها، كما أن في الإضمار إيضاحا بعد إبهام، أو تفصيلا بعد إجمال، وفى ذلك تأكيد للمعنى في ذهن السامع وتقوية له؛ بإيراده مرة مبهما أو مجملا، ومرة أخرى موضحا أو مفصلا.

‬2 ــ السين الخاصة بالفعل المضارع في قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (ستكون بعدي) وهي تخلص المضارع للاستقبال؛ لأن الأمور التي تحدث عنها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ستحدث في المستقبل من بعده، أي كانت في عالم الغيب، وأكدها ــ صلى الله عليه وسلم ــ بقوله: (بعدي) ثقة منه ــ صلى الله عليه وسلم ــ في صدق ما أخبر به عن طريق الوحي، وقد أكدها ــ صلى الله عليه وسلم ــ بأن وباسمية الجملة، وقد حدثت فعلا، فكانت من معجزاته ــ صلى الله عليه وسلم.

‬3 ــ وقوله: (وأمور تنكرونها) كناية عن البدع التي استحدثت بعد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وأبهمها لكي تشمل كل ما لا يوافق الدين الإسلامي الحنيف؛ فتحاذر منه أمته من بعده.

‬4 ــ النداء في قول الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ: (يا رسول الله) للتعظيم، فلئن كان الصحابة معه وفى مجلسه يحدثهم ويحدثونه إلا أنهم استخدموا لخطابه حرف النداء (يا) وهي لنداء البعيد إشارة إلى بعد مكانته ــ صلى الله عليه وسلم ــ وعلوها، وزيادة في تكريمه لم ينادوه باسمه ولا بصفة أخرى من صفاته غير صفة الرسالة؛ وأضافوها إلى لفظ الجلالة (الله) فقالوا: (يا رسول الله) زيادة في تعظيمه وإجلاله وتكريمه.

‬5 ــ التعبير بالخبر في موضع الإنشاء ــ وهو من باب الكناية ــ وذلك في قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ عندما قال الصحابة: فما تأمرنا؟: (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم) فلم يقل: (أدوا الحق) و(اسألوا الله) بصيغة الأمر؛ وإنما أتى بصيغة الخبر: (تؤدون) و(تسألون) احترازا عن صورة الأمر المشعرة بالاستعلاء المنافي للأدب؛ وقد أدبه الله تعالى فأحسن تأديبه. ‬6 ــ ذكر المفعول في قوله: (تؤدون الحق الذي عليكم) للتأكيد على وجوب تأدية الحقوق إلى أصحابها، ولهذا أكد الحق بقوله: (الذي عليكم) ولكنه حذف المفعول في قوله: (وتسألون الله الذي لكم)، لأنه ليس لأحد على الله تعالى حق، ولهذا لم يقل: (تطلبون) وإنما قال: (تسألون).

‬7 ــ وعلى الرغم من وضوح المعنى الذي تضمنه الحديث الشريف نتيجة لفصاحة كلماته وتداول مفرداته فإننا نجد أثر الطباق الذي ساعد على إبراز المعنى وتوضيحه، كالذي نجده في: (تؤدون) و(تسألون) وفي: (الذي عليكم) و(الذي لكم).

ضدان لما استجمعا حسنا وبضدها تتميز الأشياء!