اليتامى في اللغة والشرع هم الذين فقدوا آباءهم ويصح أن يلحق بهم الذين غاب آباؤهم ولم يتركوا لهم ما ينفقون منه ومثلهم الذين حكم على آبائهم بأحكام مقيدة للحرية تجعلهم يفقدون الراعي مدة تنفيذ العقوبة.

ولا يعد في لغة العرب ولغة الشرع يتيماً من فقد أمه دون أبيه وقد أوصى القرآن الكريم برعاية اليتيم (من لا أب له) فقال تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير).

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بكفالة اليتيم فقال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بإصبعه (السبابة والوسطى) بأنهما متجاوران في الجنة».

فمنزلة كافل اليتيم وراعيه كمنزلة النبيين وما رأى صلى الله عليه وسلم يتيماً إلا مسح على رأسه رأفة به وشفقة عليه.

ولقد حرص الإسلام على رعاية الذين لا آباء لهم ولم يكتف بالوصية المجردة وملاحظة ضعفهم بل إنه فصل وصاياه ودعا إلى أمور ثلاثة بالنسبة لهم هي: (الرفق بهم والمحافظة على أموالهم إن كان لهم مال ــ والإنفاق عليهم إن لم يكن لهم مال) وقد صرح القرآن الكريم بالنهي عن قهر اليتيم كما يتضح في الآية الكريمة (فأما اليتيم فلا تقهر) ولقد ندد الله سبحانه بالمشركين الذين لا يكرمون اليتيم فقال (كلا بل لا تكرمون اليتيم).

ولقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت فيه يتيم يساء إليه».

ولو علم الناس ما في إهمال تربية الأيتام من الفساد في الأمة لقدروا عناية الله بأمرهم في كتابة قدرها ولبذلوا من سعيهم ومن مالهم في إصلاح حال الأيتام كل ما استطاعوا ولو أحس كل واحد بأن الموت قريب منه وأنه هدف ليله لا يدري متى يأخذ عن ولده فيتركه إما غنياً يأكل ماله الأوصياء أو فقيراً يستذله الأدنياء لتسابقوا إلى تقويم أمر اليتيم تسابقهم إلى اللذة والنعيم.

فلقد ولد النبي يتيما ونشأ في بادية بني سعد في بيت حليمة الذي باركه الله حتى إذا أتم الرضاعة عاد إلى أمه ونشأ في ظل جده ثم سافر مع أمه وهو في السادسة من عمره إلى يثرب لزيارة قبر أبيه فماتت أمه وهي راجعة به عند «الإيواء» فتولته بركة التي عرفت في الإسلام بأم أيمن ولم يبلغ السابعة حتى فقد جده فكفله عمه أبو طالب وكان له نعم الكافل ونعم الولي وكان صاحب سفر في التجارة فاصطحبه معه.

فقد هم بالسفر في تجارته إلى الشام ذات عام والصبي في الثانية عشرة من عمره وألح أن يصحبه في سفره فحمله معه إلى الشام ولم يكد يبلغ به مشارف الشام حتى عاد به مسرعاً إلى مكة استجابة لأمر راهب من رهبان النصارى فقد علم من أمر الصبي ما لم يعلمه عمه فأوصاه بأن يرده إلى وطنه وأن يحرزه في مكة من مكر النصارى واليهود.

ولما بلغ الرابعة عشرة شهد حرب «الفجار» التي كانت في حرم مكة بين قيس وقريش وكان صغير السن فلم يشارك فيها ولكنه كان ينبل على أعمامه.

فصلوات الله عليه قد قضى حياته مهاجراً إلى الله في كل لحظة يضاعف الذل والخضوع حتى أصبح وكأنه من النور.