ولا تنس نصيبك من الدنيا

ت + ت - الحجم الطبيعي

هناك آيات معبرة من القرآن الكريم - وكلها بلا شك معبرة- هذه الآيات تستوقف قارئها وتحثه على التفكير وعلى إجراء المقارنات من خلال معنى الآية أو الجملة وإسقاطها على الواقع، ومن الجمل التي استوقفتني كثيرا جزء من آية في سورة القصص لا تزيد كلماتها على خمس كلمات وهي «ولا تنس نصيبك من الدنيا»، وبقراءة الآيات من سورة القصص نرى موقع هذه الجملة، تقول الآيات الكريمات «إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين» .ومنذ فترة طويلة كان تفسير ومعنى هذا الجزء وارتآه بعض المفسرين والعلماء أن الإنسان لابد وأن يعمل لآخرته قبل دنياه بالرغم من أن الله سبحانه وتعالى جعل عمارة الدنيا ونهضتها وتطورها عبادة، المهم أن الفهم المباشر لجملة «ولا تنس نصيبك من الدنيا» أي اجعل نصيبك من الدنيا قليلا بجانب الأعمال الصالحة، إلا أنه بمرور الوقت حدث تطور في إدراك معنى هذه الجملة بان على الإنسان أن يسعى ليتحصل على نصيبه كاملا من دنياه، ولا يجوز له أن يترك هذا النصيب تحت أي مسمى أو ظرف، والشاهد هنا من آيات القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والمأثور عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلماء، ومن أهم ما جاء في هذا الأمر هذا الحديث فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل : عندي دينار : قال : أنفقه على نفسك قال: عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك ..«، فبدأ بالأهل بعد النفس . ودائما نردد نص الحديث » إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ »فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَ سَلْمَانُ ) .

ويقول ابن كثير في تفسير الآيات السابقة :« جمعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا، وصرَفت كلّ شر ؛ فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلّ مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا . وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر..».

وإذا كانت الغالبية لا تقصر في حصولها النصيب الأوفر من دنياها إلا ان هناك من نجده يزهد في نصيبه ولا يريد أن يأخذه، وفي سبيل ذلك يتركه لزوجته ولأولاده وأهله، ويترك نفسه كأنه لا يحبها، بالرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه من سأله عن النفقة أن أفضل الإنفاق على النفس ثم على الأهل.

طباعة Email