يحرص المسلم التقي على أن تكون صلته بربه قوية ومستمرة، لذا تراه لا يفتر لسانه عن ذكر الله ويرضى بما قضى الله له ويحمد الله على عطاياه فلا يتضجر إذا ابتلاه الله بمكروه، بل يرفع يديه إلى السماء ويقول: يارب وهنا تكون الإجابة: عبدي وأنا أجبت، وتكون عصمة الله له يحفظه ويفرج عنه ما هو فيه لحسن ظنه بربه.
جاء في الحديث القدسي أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه. أي في كل وقت، في حال الرخاء وفي حال الشدة وهذه المعية تعني: معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والعناية.
قال الشرقاوي في كتاب الترغيب والترهيب للمنذري قال: فإن ظن أن أعفوا عنه وأغفر له فله ذلك.
وينبغي للعبد أن يغلب جانب الرجاء على الخوف، ويجتهد بقيام وظائف العبادات موقناً أن الله سبحانه وتعالى يقبله ويغفر له لأنه وعد بذلك وهو سبحانه لا يخلف وعده قال تعالى: (وعد الله لا يخلف الله الميعاد) «الزمر 20».
المؤمن التقي هو الذي يسير في الحياة على هدى من الله وتوفيقه وهو في سيره يراقب الله تعالى في جميع حركاته وسكناته ولحظاته وخطواته وبالجملة جميع اختياراته فإن كان كل ذلك لله مضى وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكف عنه ثم لام نفسه وعرفها سوء فعلها وسعيها في فضيحتها وأنها عدوة له إن لم يتداركها الله بعصمته قال الحسن: كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر وتثبت فإن كانت لله أمضاها، وقال: رحم الله تعالى عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى وان كان لغيره تأخر والمؤمن التقي هو الذي يعيش مع ربه بالكلية، وكلما كان العبد قريباً من ربه في كل لحظات حياته كان الله معه يحفظه وينصره قال تعالى: (وهو معكم أينما كنتم)، فيكثر العبد من الدعاء بخيري الدنيا والآخرة ويواظب على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الأحاديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة والإكثار من ذكر الله تعالى الذي يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق وإذا أضيف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل.
قال أحدهم: الذكر سبعة أنحاء: ذكر العينين بالبكاء وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء وذكر اليدين بالعطاء وذكر البدن بالوفاء وذكر القلب بالخوف والرجاء وذكر الروح بالتسليم والرضا.
روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة.
واسمحوا لي أن أقف عند الجزء الأخير من الحديث والذي يقول: وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، أي من جاهد نفسه قليلاً في طاعتي تقربت إليه برحمتي ويسرت عليه كثيراً من الطاعات بحلاوة ورغبة، ورزقته لذة مناجاتي وحلاوة الأنس بذكري، فيصير محمولاً بعد أن كان حاملاً.
وهذا ما حدث لأحد الإخوة الذي قرأت قصته والتي تحكي أن رجلاً تزوج ورزقه الله بنتا ملأت عليه حياته وكانت من المتفوقات في المدرسة بل كانت من الأوائل وفجأة مرضت فأخذها والدها إلى المستشفى فطلب الأطباء من والدها أن تبقى لفترة في المستشفى تحت رعايتهم ووافق الأب وكان يقوم هو وزوجته بزيارتها وبعد أيام معدودات وجدوا تغييراً في الفتاة في شكلها وفي جسدها، فبدأ شعرها يتساقط ونقص وزنها بشكل ملحوظ وكلما مرت الأيام ازدادت ضعفاً فطلب الأطباء من الوالد أن توضع في العناية المركزة وأن يقوم بزيارتها ورؤيتها من خارج الغرفة أي من خلال زجاج الغرفة، وكان الوالد وزوجته يأتون كل يوم لزيارتها كما طلب الأطباء وهالهم أن حالة ابنتهم كانت تسوء يوماً بعد يوم لدرجة أنها أصبحت هيكلاً عظمياً لا يتحرك فظنوا أنها ماتت، لكن الأطباء أخبروا أنها لم تمت بعد، وفي الفجر قام الوالد وذهب إلى المسجد لصلاة الفجر في جماعة، وناجى الوالد ربه وهو ساجد وطلب منه وقال يارب لقد قلت: من تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً ومن أتاتي يمشي أتيته هرولة، فأنا أتيتك هرولة أطلب منك أن تشفي ابنتي وذهب إلى البيت وظل يتردد على ابنته في المستشفى وفجأة وجد الأطباء أن الفتاة بدأت تتحرك وبعد فترة وجدوا أن شعرها بدأ ينبت وشاهد الوالد والوالدة هذا التطور فخرجت من غرفة العناية المركزة إلى حجرة أخرى بالمستشفى والتقى بها الأهل وكلموها بعد أن كانت في عداد الموتى وصدق ما جاء في الحديث: من أتاني يمشي أتيته هرولة.
