قال الله تعالى في محكم تنزيله: «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ»
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأمـور ويكـره سفسافها»، لقد حرّم الله سبحانه وتعالى على عباده كل ما هو ضارِّ وخبيث وحذرهم من خطر تعاطيه وذلك لأن الله سبحانه وتعالى فضل الإنسان على سائر الحيوان بمزية العقل، وتفاضل الناس في مراقي الكمال على قدر تفاوتهم في هذه المزية، وكل شيء يُضْعِفُ القوةَ العاقلة أو يعوقها فهو عدو للإنسانية، تجب مدافعته بقدر المستطاع، والابتعاد عنه في جميع الأوقات حتى يتفرغ لما خلق من أجله كعبادة الله عز وجل والتفكر والتدبر في المخلوقات والآيات والبحث عن الحقائق والعمل الذي ينفع به نفسه وأهله ووطنه.
والمخدرات من المعوقات التي تذهب عقل من يتناولها، فيصبح بعيداً عن الله قريبا من الشيطان وأعوانه منصرفاً عن عبادة الخالق عبدا لملذاته منقطعاً عن أي نورٍ وأية هداية تنير له طريقه سائرا في طريق الغي والظلام، فيفقد المرء أصل وجوده والغرض الذي خلق من أجله قال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ».
قيل لعديِّ بنِ حاتمٍ: مالك لا تشربُ الخمر؟ قال: معاذ الله أن أُصبحَ حليمَ قومي وأمسي سفيهَهُمْ! على العبد المسلم أن يجد في عبادته ويخلص فيها ويتقن عمله الذي وكل به ويحاسب نفسه قبل أن تحاسب حتى ينال رضا الله سبحانه وتعالى بطريق الإيمان والصبر والعمل الصالح لا بطريق البطالة والتقصير والتواكل وعدم مواجهة الأمور والصعاب والبعد عن مجالسة الرجال أصحاب العقول والركض وراء السفاسف ومخالطة أراذل المجتمع، والسير في طريق موت النفوس والقلوب وفقدان المال الذي هو مستخلف فيه من قبل رب العالمين حتى يصعد إلى أعلى درجات الهاوية فتكون نهايته مذمومة مدحورة بعيدة عن رحمة الله سبحانه وتعالى ورضوانه وقد خسر الدنيا والآخرة معا.
ومتعاطي المخدرات يهون عليه عرضُهُ وأغلى وأعز ما يملك كما أنها تعطل القوة العاقلة، وتترك الخيال لمتعاطيها للتفوه بما هو نقيصة، من غير ضابطٍ ولا رابط، فهي تلبس أقوال صاحبها ثوب المهانة وتضعه موضع السخرية بالإضافة إلى أنها تنشر السفاهة في القول والفعل وتنزل بصاحبها إلى قاع المجتمع حيث يجتمع حولها الحاقد والحاسد والمريض وأصحاب المهن الدنيا بأصحاب العلم ودلت التجارب على أن متعاطي المخدراتِ والمسكرات يكون ضعيفَ الفكر، خفيفَ العقل، ولا يصل ولو بعد صحوة إلى ما يصلُ إليه أقرانُهُ الأذكياءُ من آراء سامية ونتائج صادقة لأن الإدمان عليها شرٌ مستطير يصعب التخلص منه إلا عن طريق العودة إلى الطريق المستقيم وإتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في البعد عن أصدقاء السوء ومجالستهم والتعامل معهم والبعد عن أماكن تجمعهم ثم يبدأ مرحلة العلاجٍ والإشرافٍ الطبي.
قيل لسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما منعك أن تشربَ الخمرَ في الجاهلية قال: رأيتها تُذهِبُ بالعقل جملةً، وما رأيت شيئاً يَذْهَبُ جملةً، ويعود جملة ويجب على كل مسلم عاقل أن لا يتخذ صاحب المخدرات صديقا له يفضي إليه بشيء من أسـراره، فإن الأسرار المودعة في النفوس، إنما تحرسُها العقُولُ، والمدمنون تفارقهم عقولهم في كثير من الأحيان، فلا تلبث تلك الأسرار أن تخرجَ من أفواههم وهم لا يشعرون، كما أن صاحب السوء ينقلك إلى مجتمعه السيئ وعاداتِهِ الخبيثة الضارة، والله أمرنا بصحبة الصالحين المقرَّبين إلى الله تعالى لنأخذ من أخلاقهم ونستفيد من استقامتهم قال تعـالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِيـنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). وفي المخدرات فوق هذه المفاسد إنفاق المال في غيرِ فائدةٍ، بل إنفاقه فيما يعود بالخسران والبوار. وفيها صرفُ القلوبِ عن القيام بكثير من حقوقِ الخالق جل شأنه. ولا يجتمع الولوع بالمخدرات وتعظيم أمر الله في نفس واحدة.