الزكاة هي أداة الإسلام التي ترمي إلى إعادة توزيع الثروة، ولا يتم التوزيع التلقائي حسب أولويات السوق كما هو الحال في النظام الرأسمالي، أو حسب العمل فقط، كما هو الحال في النظام الاشتراكي. والملاحظ أن آلية نظام السوق لا تعتد بالفروق الاجتماعية ولا تهتم بإعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي، كذلك جعلت مادية علاقات الإنتاج في النظام الاشتراكي الفرد الحر كمًّا مهملاً وسط إيقاع علاقات الإنتاج المادية.
ان التوزيع العادل يقوم على أساس احترام الجهد البشري، فيشحذ الهمم ويؤدي إلى إنتاج أفضل كمًا ونوعًا، والإنتاج الأكبر يؤدي إلى نصيب أكبر من الرفاهية.
عدالة التوزيع
أما التوزيع غير العادل فيؤدي إلى تراكم الفروق بين الطلب الكلي الاستهلاكي والاستثماري، وبين إنتاج السلع والخدمات المختلفة، الاستهلاكية والاستثمارية، ممّا يؤدي إلى تقلبات النشاط الاقتصادي والأمراض الاجتماعية التي تنجم عن ذلك.
وهذا النمط من التوزيع يثبط همم المشتغلين بالإنتاج ويجعلهم لا يُقبلون على أعمالهم بالقدر الضروري الذي يزيد في الناتج القومي ويؤدي إلى استغلال الموارد المتاحة الاستغلال الأمثل. وأساس التوزيع العادل في الإسلام يقوم على التوفيق بين المصالح الفردية والمصالح العامة الاجتماعية، ويقوم على الدعامة الأخلاقية للنظام الإسلامي وهي الدعوة إلى التعاون والتكافل.
أما التبادل في نظام الاقتصاد الإسلامي فقد اهتم به الإسلام ووضع له الرقباء في نظام الحسبة وهو نظام مراقبة الأسواق وقنَّن قواعد التبادل، وجعله منفعة متبادلة بين البائع والمشتري يحقق كل منهما أقصى منفعة بقيمة مجزية للطرفين.
وجعل الإسلام للتبادل قواعد يراعيها البائع والمشتري، ومن هذه القواعد: أن الإسلام منع تداول السلع الضارة أو التي لا منفعة فيها. وقد ورد في حديث الرسول: «إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه» كما منع الإسلام الغش.
والقاعدة الكبرى هي أن الدولة تقوم بمراقبة التبادل وتقيم نظام الحسبة وتُعيّن المحتسب بحيث لا يختل التبادل في الأسواق ولا يظلم أحدٌ أحدًا. فتحافظ بذلك على توازن السوق وتحفظ أخلاق الإسلام.
إن الاقتصاد الإسلامي يؤمن بوفرة الموارد، ومن ثَم إمكانية تحقيق حد الكفاية لكل إنسان؛ لأن موارد الله تعالى التي خلقت للجميع تكفي الجميع، أيضاً يؤمن بحق الجماعة في موارد الثروة، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرض جَمِيعًا». البقرة 29
والسوق في الاقتصاد الإسلامي يحل فيه الإيثار محل الأثرة ويحرم فيه الربا والاحتكار والغش والغرر والنجش وكل صور إفساد السوق واكل أموال الناس بالباطل.. ولا يُعقل في ظل التطبيق الإسلامي أن تمتلئ الأسواق بالسلع الكمالية بينما يكون هناك نقص في المساكن ووسائل المواصلات والتعليم والصحة، فكل هذه المجالات أولى من السلع الكمالية.
ولو طُبِّق الاقتصاد الإسلامي في دنيا المسلمين لرأوا أثره في كل جوانب الحياة وليس في جانب الزكاة فقط، فتمويل المشروعات يجب أن يكون على هدي الإسلام، فنبتعد عن التمويل بالربا إلى أنواع التمويل المباحة إسلاميًّا، وفي الاستثمار يتم ذلك في المجالات المطلوبة للمسلمين على أساس الترتيب الذي وضعته الشريعة الإسلامية لتقديم الضروريات على الحاجيات وتقديم الحاجيات على الكماليات.
و إذا طُبِّقت الزكاة كما أرادها الإسلام لما اقتصر أثرها على عدد محدود من أفراد المجتمع، وإنما تستطيع إذا طُبِّقت بالأسلوب الصحيح أن تنقل المجتمع من التخلف للتقدم، وتقود خطى التنمية في كل مجتمع إسلامي، وهي ليست علاقة فردية بين غني وفقير وإنما علاقة بين الدولة والمواطنين، فيجب عليها أن تأخذ الزكاة من الأغنياء للإنفاق على المشروعات التي تنقل الفقراء إلى مستوى الأغنياء، وهي لا تُعطَى معونة مؤقتة وإنما غنى كاملاً..يقول سيدنا عمر رضي الله عنه للعاملين على الزكاة: إذا أعطيتم فأغنوا، ويقول النووي: يُعطَ الفقير والمسكين ما ينقله من الفقر إلى الغنى دون أن يعود فقيرًا مرة أخرى . فحتى هذه الجزئية التي يراها البعض تطبيقًا وحيدًا للاقتصاد الإسلامي وهي ليست كذلك، يمكن أن تقود إلى التقدم الاقتصادي، وأن تحقق للمجتمع التنمية الاقتصادية إذا فُهِمَت على حقيقتها كما أرادها الله أداة للإنتاج ووسيلة للتقدم
المال جوهر الثروة والموارد المالية، وتوزيعها هي محور الاقتصاد، والكسب محور الإنتاج وما يتبعه من توزيع، والإنفاق يشتمل على الإنفاق الاستهلاكي الذي هو مؤدى العملية الاقتصادية وما يؤدي إليه كل من الكسب والإنفاق من التبادل في نطاق السوق وما يدور فيه من الأسعار والأثمان والقيمة ومن ثم إشباع الحاجات الإنسانية. وتبرز المشكلة الاقتصادية في وجود غنى غير مرشد وفقر غير معالج، فالرزق والرازق سبحانه كلاهما موجود والقوت مقدر في الأرض لقوله تعالى (وقدر فيها أقواتها) ولكن العمل والسعي في طلب الرزق مطلوب وواجب وبذلك ينتفي الرأي القائل بالندرة النسبية للموارد والحاجات اللا متناهية للأشخاص إذا راعينا أن الحاجات الإنسانية تجد حدها الأعلى في حظر الإسراف والتبذير والترف فكلها أمور محرمة محظورة في المنهج الإسلامي لأنها تدخل الفساد على السلوك الإنساني وتؤدي إلى إضاعة الأموال التي هي خير ونعمة وعصب الحياة.
معايير وادوات
وفي الاقتصاد الإسلامي تتجلى المجابهة الصريحة والمحددة لعوامل ومعايير التوزيع فيه متخذا من العدالة المعيار الأول ووضع الأدوات والوسائل العملية الكفيلة بتحقيقها...فهو يضمن حد الكفاية لكل مسلم وحد الكفاية أو حد الغنى نعني به المستوى اللائق للمعيشة مما يختلف باختلاف الزمان والمكان لامجرد حد الكفاف واستيفاء الضرورات الأساسية للحياة. واصطلاح حد الكفاية، أو حد الغنى، وإن لم يرد صراحة في أحد نصوص القرآن الكريم أو السنَّة النبوية إلا أنه يستفاد من روح هذه النصوص وقد ورد صراحة في تعبيرات أئمة الإسلام وكذلك في مختلف كتب الفقه القديمة،فيقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا أعطيتم فاغنوا . ويقول الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم والكفاية تختلف باختلاف السعات والأحوال وقد جرى المثل العربي: صيانة النفس في كفايته.
إن ضمان حد الكفاية لجميع الإفراد في المجتمع هو المقياس الحقيقي الذي تقوم عليه سياسة التوزيع في ظل النظام الاقتصادي الإسلامي ويصبح العمل هو الوسيلة الشرعية لملكية العمل نتيجة جهده ويعطي المنهج الإسلامي أهمية كبيرة للعدالة في توزيع الدخول والثروات كهدف أساسي له وقد تمثل ذلك في الزكاة وقسمة الفئ والغنيمة والميراث وتحريم الربا وفي نظام الكفارات والصدقات والنذور والعارية والقرض الحسن والهبة والمنحة والوقف والضيافة وتوزيع الأراضي وغير ذلك.
