قال الشيخ: الحق سبحانه وتعالى أخبرنا في القرآن الكريم انه اشترى منا أنفسنا و أموالنا بأن لنا الجنة، والأصل أننا ملك لله ولو أراد لأتيناه جميعاً طائعين، ولكن منته وفضله أبتا إلا أن يؤجرنا على ما يوفقنا إليه وتلك عجيبة من العجائب لولا أنها من رب العباد.
ولعل من معاني الشراء هنا أن نكون قد سلمنا أنفسنا لله حقاً، مستسلمين لما أراد، مكتفين بما أنعم به وأكرم، غير طامعين بما في أيدي الناس، حامدين شاكرين، صابرين محتسبين، فهو مالكنا وله أن يتصرف بنا كما يشاء والثمن هو الجنة. ومن معاني الشراء أن الله اشترى منا ما يسوؤنا ويسيء إلينا، كالكبر والحسد والعجب والرياء والحرص والبخل والغضب والحقد وحب المال والجاه والتعلق بالثناء والسمعة، وكلها من أمراض القلب التي تنعكس على الفكر انشغالاً بما لا يفيد ان لم يؤذ، وعلى الجوارح بأفعال تؤجج نار الخصام والأذى والعدوان بين الناس فلا تترك بينهم مكاناً لمودة أو رحمة، فهذه والله سلعة بخسة ليس لها ثمن لكثرة ما تضني وتؤذي، الحق سبحانه وتعالى من كرمه اشترى منك ومني هذه السلعة فان بعنا أعطانا الثمن راحة وانشراحاً، وقناعة وطمأنينة، ورضا وتوكلاً، وحباً وسلامة صدر، وهذه صفات أهل الجنة وهي عطية الله عز وجل للمؤمنين في الدنيا قبل الآخرة فتكون لهم جنة قبل جنة الخلد يوم القيامة، واعلم أنه ما من شيء يؤلم المرء كالحرص والشح إن واجه إمساكاً أو منعاً، وكالحسد والغبن إن رأى نعمة في يد الناس ولم تصل إليها يده، وكحب الظهور والسمعة ان لاقى تجاهلاً وإنكاراً، فتلك عذابات نسأل الله أن يعافينا منها وأن يبدلنا عنها قلباً مطمئناً وغنى به عن الناس.
فان أنت تذوقت مرارة ما ذكرت من أحوال مذمومة وصح لك أن هناك من يريحك منها بل ويشتريها منك بثمن هو السكينة والطمأنينة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة فهل يعقل أن تتوقف في بيعة كهذه أو تسوفها، النوازل واقعة وهي لا تنتظر إذناً إلا ممن خلقها، فان أنت قبلت بها وصبرت عليها ورأيتها من عند الله فعلمت أنها لا تنفك عن الحكمة واللطف كنت ممن أرضيت نفسك ومولاك، وان أنت استكبرتها فانك لن تكسب إلا الهم والغم والحيرة والقلق وعذاب الدنيا والآخرة.
ولتعلم أنك ما صغرت في عين نفسك إلا كبرت في عين مولاك، وما قبلت بالقليل إلا أكرمك الله بالكثير، وما حمدت الله على نعمة إلا زادها، وما حسدت الناس على عطية إلا حرمت منها، وان كان الوقت غير وقت جهاد فان جهادك أن تقتلع ما فيك من علل في قلبك لن تدخلك الجنة وهي فيك، وأن ترضى بما قسم الله لك حقاً وصدقاً، وأن تعلم أنك هنا في هذه الدنيا لمجرد التزود منها للآخرة، فإن أيقنت بذلك تساوى عندك العطاء والمنع، فكنت شاكراً في كل الأحوال وهي علامة الرضا من الله سبحانه وتعالى.
قال بعضهم: (إن العبد إن لبس لبسة الاستسلام لم يضطرب عند وقوع الأحكام فانه لا يلقى مكروهاً حتى يعلم أن بذلك قد سبق القضاء فيسهل عليه ان وافقه الرضا).
واعلم أن كل ما سوى الله زائل، وأن كل ما في يدك في حكم العارية، ومن شأن العارية أن تسترد في أي وقت، فهل تعلق قلبك بالزائل حتى إذا غاب فاض قلبك حسرة عليه؟ أم تأنس بالحي الذي لا يموت والذي بيده كل شيء؟
يبدو الأمر واضحاً من الناحية العقلية ولكن الأمر مهجور، فكم نؤمن بالحقائق عقلاً ولا نتخلق بما يلزم عنها، وفي ظني أن أكثر الناس لا ينقصهم العلم قدر ما ينقصهم العمل، ولا تنقصهم الحكمة قدر ما ينقصهم السلوك بمقتضاها، ولا أملك لهذا تفسيراً إلا توفيق الله وهدايته وتمكينه العبد من العمل بعد العلم، نسأل الله عز وجل أن نكون من الهادين المهتدين وإلا يجعل علمنا حجة علينا.
