سيكون بمقدور الخصوم في القضايا الجزائية تسوية منازعاتهم القانونية دون الحاجة إلى نظر القضية أمام هيئة المحكمة القضائية، يأتي ذلك بعد أن أعلنت وزارة العدل عزمها إنشاء مراكز معنية بتسوية منازعات القضايا الجزائية تلحق بكل نيابة عامة كلية، وذلك في إطار تسهيل عمل جهاز القضاء الإماراتي ومرافقه.
الحلول البديلة
وكانت إجراءات الصلح في جميع المحاكم والدوائر القضائية بالدولة تقتصر على القضايا المدنية والتجارية دون الجزائية، ما حرم المحاكم الجزائية والنيابات العامة من فوائد الصلح قبل الإحالة على المحكمة، حيث يأتي مشروع القرار الجديد انطلاقاً من استراتيجيات وزارة العدل، التي تستهدف نشر الثقافة القانونية والقضائية بين أفراد المجتمع، ومنها ثقافة الحلول البديلة، إيماناً منها بدور الحلول البديلة في تنمية التواصل بين أفراد وقطاعات المجتمع، وتوفير الوقت والجهد والنفقات على أطراف النزاع، وتخفيف أعباء أجهزة القضاء.
ويتم اللجوء إلى هذه المراكز في تسوية النزاع الجزائي قبل إقامة دعوى بشأنه أمام القضاء، وذلك عن طريق الصلح بين أطرافه، إذ تسعى الممارسات القضائية إلى إحلال التآخي والتراحم بين أبناء المجتمع الواحد بدلاً من التخاصم والخلاف، خاصة وانه يتم إنجاز الدعوي في مراكز التوفيق في وقت قصير، وفي حال عدم وصول الطرفين إلى اتفاق يتم إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة لنظرها.
بعد قضائي
وأشاد عدد من الحقوقيين والقانونيين بمشروع «إنشاء مراكز معنية بتسوية منازعات القضايا الجزائية»، وقالوا: إن الحيثيات التي قد تحيط ببعض الوقائع هي العامل الرئيسي الذي دفع المشرِّع في دولة الإمارات إلى تبني هذا المشروع، فالمتهم في قضايا مالية بسيطة على سبيل المثال، قد تشكل عملية الإحالة إلى المحكمة وسجنه تحدياً ليس فقط للهيئة القضائية، بل لحقوق وممتلكات الآخرين، نظراً لصعوبة إيفائه بالتزاماته تجاه خصومة، وذلك لتقيد حريته وحركته.
وأكدوا على دور المشروع في التخفيف من تكدس القضايا أمام المحاكم، عبر تعزيز الأخذ بنظام التسوية الودية للمنازعات المدنية والتجارية ونقله إلى المنازعات الجزائية من خلال إنشاء مراكز للتوفيق والمصالحة تتبع المحاكم الجزائية.
وأفاد المحامي محمد محمود المرزوقي بأن المشروع يعد أهم المستحدثات الإدارية التي ستتيح بعداً جديداً من أبعاد حل الدعوى بالطرق الودية والبديلة للدعوى القضائية، حيث يعطي المشروع أطراف النزاع فرصة لا تتوفر أمام الهيئة القضائية، وهي ميزة حل النزاع بسرعة وفي جلسة واحدة، الأمر الذي يشكل دافعاً قوياً للمتقاضين للإقبال عليه دون خوف أو تردد.
وحول مفهوم القضايا الجزائية، قال المرزوقي: إن القانون الاتحادي رقم (35) لسنة 1992 بشأن الإجراءات الجزائية، نظم كافة الإجراءات الخاصة بالقضايا الجنائية في دولة الإمارات، حيث شمل على مجموعة من القواعد والأحكام التي تشرح أساليب وإجراءات التحقيق في الدعوي ومحاكمة المتهمين، وإصدار الأحكام والحالات التي يجوز فيها الطعن أمام المحاكم العليا، فضلاً عن إجراءات تنفيذ الأحكام وغيرها.
وأضاف المرزوقي أن الدعوي الجزائية هي القضايا التي تختص بنظرها محاكم الجنح والجنايات، حيث يرمي قرار إنشاء مراكز للتوفيق والمصالحة ضمن اختصاصات الدعوي الجزائية إلى تحقيق توازن بين احترام الحرية الشخصية للأفراد وحماية المصلحة العامة، واتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب الرادع وفي نفس الوقت منحهم الفرصة للتصالح وحل الخلاف بينهما.
الثقافة المجتمعية
وشددت المحامية هدية حماد على دور المشروع في رفع مستوى الثقافة المجتمعية بالتصالح وحل النزاعات وديا، وتقليل عدد القضايا الواردة للنيابات والمحاكم، كما يساهم في تحقيق مؤشر سيادة القانون، ومؤشر كفاءة النظام القضائي، موضحة في الوقت نفسه بان المشروع يعتبر مشروع مبتكر لتحقيق المهام الرئيسية لوزارة العدل في الدولة.
ونوهت بأن إنشاء مراكز خاصة للصلح الجزائي في كل نيابة عامة كلية، سيسهم في تطوير منظومة العمل القضائي بالدولة، ورفع أداء المحاكم الجزائية والنيابات العامة وسرعة إنجازها للقضايا المنظورة، مطالبة الجمهور بمحاولة تسوية نزاعاتهم القانونية بالطرق الودية وذلك عبر لجان التوفيق والمصالحة قبل إحالة النزاع أمام القضاء.
وأجمل المحامي عمار آل خاجة إيجابيات المشروع الجديد في سرعة إيصال العدالة القانونية وتوسيع رقعة عمل الحلول البديلة، وتوفير بيئة قضائية جديدة أكثر فاعلية تسمح للمتقاضين بالتصالح وحل نزاعاتهم القضائية، فضلا عن زيادة إنتاجية المحاكم، وانحصار تركيزها على القضايا المهمة التي تحتاج إلى وقت للبت فيها.
تسوية دعاوى
وقال: إن كثرة الدعاوى القضائية وطول فترة إنجاز بعض القضايا، دفعت بالمشرّع الإماراتي إلى التفكير لإيجاد أفضل الطرق للتخلص من هذه المعضلة، فوجد في مراكز التوفيق والمصالح خير بديل، حيث إن إنشاء مراكز معنية بالقضايا الجزائية، سيمنح المتقاضين درجة جديدة من درجات التقاضي للنظر في مطالبهم.
وشرحت المحامية عبير الدهماني «مراكز التوفيق والمصالحة» بأنها لجان تتولى مهام تسوية الدعوى بين المتنازعين قبل الدخول في إجراءات التقاضي، بالطرق الودية، مشددة في الوقت نفسه بأن إنشاء مراكز متخصصة بالتوفيق والمصالحة في الدعوى الجزائية سيضفي مرونة كبيرة على إجراءات التقاضي، فضلاً عن تخفيف الضغط على النيابات العامة.
استراتيجية
أكدت المحامية عبير الدهماني بأن إنشاء مراكز المصالحة في الدعوى الجزائية، يأتي في إطار دعم مكاتب المصالحة لتسوية المنازعات في مقرات المحاكم والنيابة العامة، موضحة بأن المشروع يأتي ضمن استراتيجية وزارة العدل في إيجاد بنية مؤسسية قضائية متكاملة تلبي الاحتياجات القضائية والعدلية المتزايدة وفق أفضل الممارسات والمعايير العالمية.


